فرأوا أنّ الصوت الذي يؤدّي معنى الصوت [1] ويمثِّل الإشارة، هو المَدَّة، والذي يؤدي معنى الإشارة إلى النفس هو النون كما مرّ، فقالوا:"ءان"، ثم تصرّفوا في ءان، ومن جملة تصرّفهم فيه [2] : قلبُهم لبعضه ليدلّ على تغيير في معناه، فقالوا:"أنَى"لساعةٍ غير معيَّنة.
ثم تصرفوا في هذه أيضًا، فقالوا: أنَى الشيءُ يأني، أي: حضر إناهُ، أي وقته. ومن ذلك:"أنَى الطعام"أي بلغ وقته، أي المطلوب منه، وهو النضج.
ثم قالوا للوعاء:"إناء"؛ لأن الطعام إذا بلغ إناه جُعِل فيه.
وقال تعالى: {حَمِيمٍ آنٍ} [الرحمن: 44] أي بلغ وقته المطلوب منه، وهو شدة الحرارة.
وقالوا:"أنيت الشيءَ"أي أخَّرته إلى إناه، أي إلى وقته المناسب، ومنه"الأناة"و"التأنَّي"، [و] هو تأخير الشيء إلى إناه، أي إلى وقته المناسب.
ومن هنا كان التأني ممدوحًا مطلقًا. ولو كان معناه: تأخير الشيء عن إناه، أي عن وقته، كما زعم الراغب [3] = لكان مذمومًا أو على الأقلّ لا يدلّ على مدح ولا ذمّ. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأشج عبد القيس:"إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة" [4] .
(1) كذا في الأصل.
(2) في الأصل: فيهم، سبق قلم.
(3) "المفردات" (ص 96) .
(4) أخرجه مسلم (17/ 25) .