لهم بوعد الله تعالى، والمتوسّلُ بأحد الصالحين لم يسألّ حقًّا ثابتًا له، وهذا مما يُخْجَل من إيضاحه لوضوحه.
وأما ما في"سنن أبي داود"عن جُبير بن محمَّد بن جُبير بن مُطعِم عن أبيه عن جده قال: جاء أعرابيّ ... إلخ. ففي إسناده ابن إسحاق، وهو مختلَف فيه، وأقلّ ما فيه أنه يدلِّس، قاله الإمام أحمد، كما في"تهذيب التهذيب" [1] وغيره. والمدلِّس لا يحتج به إلا فيما صرَّح فيه بالتحديث، ولم يصرّح في هذا الحديث، فإن لفظ الراوي عنه: سمعتُ ابن إسحاق يحدِّث عن يعقوب بن عتبة وللحديث علّة أخرى نبَّه عليها أبو داود [2] .
وأما حديث استسقاء عمر والصحابة بالعبّاس بن عبد المطلب رضي الله عنهم ومثله استسقاء معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي، فهو عليكم لا لكم؛ لدلالته الظاهرة على إجماع الصحابة رضي الله عنهم على عدم التوسّل بالميّت والغائب، وهل يَشكُّ عاقل أن الصحابة رضي الله عنهم يعدلون عن التوسُّلِ برسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم إلى طلب الدعاء من غيره إلّا لأمرٍ ما، وهو عدم جواز التوسّل بالمعنى المتعارف، وهذا صريح جدًّا من قول عمر:"اللهم إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبينا فتسقينا، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبينا".
فإن قيل: فما الفرق بين التوسّل بالحيّ والميت؟
قلت: الفرق بيِّن، وذلك أنّ في الكلام حذف مضاف في الموضعين، أي: إنا كنّا نتوسّل إليك [225] بدعاء نبيّنا، أي: نطلب منه الدعاء لنا فيدعو،
(2) (4726) وسبق ذكرها عند الكلام على الحديث (ص 270) .