فقال فرعون: ينبغي لعامة البشر أن ينظروا من كان منهم أعلى درجة وأعظم شأنًا، فيجعلونه واسطة بينهم وبين الملائكة، هو يعبد الملائكة والعامّة يعبدونه، فقالوا: ليس هذا إلا الملك، فقرروا أن كلَّ قومٍ لهم ملك ينبغي لهم أن يتخذوه إلهًا، فيعبدوه، وهو يعبد الملائكة.
وبذلك حصل فرعون على منصب الألوهية عندهم، ولذلك قال فرعون: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [1] [الزخرف: 51] ، فقرر مَزِيَّته عليهم، وقال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24] ، فقرر ربوبيته لهم، يعني: الملك، وقال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38] ، فقرر ألوهيته لهم.
ولم يتعرَّض في هذا كله لغيرهم من الناس، كأهل الهند والصين والروم وغيرهم؛ لأن الأمر الذي قرره مع قومه [ص 45] أن المَلِك إنما يكون ربًّا وإلهًا لرعيته، وأما غيرهم فلهم ملوك غيره، فهم أرباب والهة كلٌّ لرعيته.
وقال لموسى: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 29] ؛ لأنّ موسى عليه السلام عنده من رعيته.
وقال له آلُه: {أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} [الأعراف: 127] ، فأثبتوا أن لفرعون آلهة، ومعنى الكلام: أن موسى لم يكتف بأن يَذَر عبادتك، بل ترك عبادة آلهتك، يعنون الملائكة، فلم يكتفِ بمساواتك، بل رفع نفسه إلى مساواة آلهتك.
(1) "أفلا تبصرون"لم يكتبها المؤلف، وترك لها فراغًا.