فإن ثبت فعسى أن يكون اختراعًا من بعض متسرّعيهم، كابن الزبعرى، اخترعه بعد قصة طلحة. ولو كان قول جميعهم لكثر في القرآن تبكيتهم عليه، كما كثر في قولهم:"بنات الله".
وأمَّا قول الله عزَّ وجلَّ: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [الصافات: 158] ؛ فقد جاء عن جماعة من السلف، منهم: مجاهد، وعكرمة، وأبو صالح، وقتادة = أنَّ المراد بالجِنَّة: الملائكة، واختاره الجُبَّائي [1] .
ويُبْعِدُ ما قيل: إنَّ الجِنَّة هم الجن، وأنَّ المراد [من] قولهم:"بنات الله": بناتُ سروات الجن = أنَّ النَّسب لا يكاد يُطلق على المصاهرة. قال الراغب:"النَّسَب والنِّسْبَة: اشتراك من جهة أحد الأبوين ... كالاشتراك بين الآباء والأبناء" [2] .
وفي الآية وجه آخر سيأتي.
وأمَّا الأمر الثاني، وهو عبادتهم غير الله، فنجد القرآن يخاطبهم تارة على أنَّهم يعبدون الملائكة، كقوله: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} [الزخرف: 19، 20] .
= وعقابهم، وفي كتاب التفسير، باب سورة الصافات، عن مجاهد رحمه الله من قوله. ووصله الحافظ ابن حجر في"التغليق" (3/ 514) و (4/ 292) . وأخرجه البيهقي في"الشعب" (1/ 66) وآدم بن أبي إياس وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في"الدر المنثور"للسيوطي (12/ 484) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
(1) راجع"روح المعاني"ج 7 ص 320. [المؤلف] .
(2) "مفردات الراغب"مادة (ن س ب) . [المؤلف] . ينظر (ص 490) .