وأما إبراهيمُ فنافٍ، والمثبِتُ مقدَّم عليه.
وقد ورد في مشروعيتها أحاديث قولية. منها: حديثان في"صحيح البخاري" [1] ذكرهما البيهقي في"السنن" (ج 9 ص 298) ، فاعترضه ابن التركماني [2] قائلًا:"ظاهر هما دليل على وجوبها، فهما غير مطابقين لمدَّعاه". والقول بالوجوب منقول عن الظاهرية، واحتج من يقول بالندب بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا:"من وُلِد له ولد، فأحبَّ أن ينسُك عنه، فلينسُكْ: عن الغلام شاتان .." [3] . وهذا الحديث أيضًا يدل على مشروعيتها، فإنَّ النسك عبادة، إذا لم تكن [2/ 64] واجبة كانت مندوبة ولا بد. وسواء أكان أهل الجاهلية يعتقدون وجوبها أم لا، فإنها لم تُرفَض في الإِسلام، بل هي مشروعة فيه [4] .
(1) برقم (5471، 5472) عن سلمان بن عامر وسمرة بن جندب.
(2) "الجوهر النقي" (9/ 299) .
(3) أخرجه أحمد (6822) وأبو داود (2842) والنسائي (7/ 162) والبيهقي (9/ 300، 312) . وإسناده حسن.
(4) قلت: ليس في السنة ما يشهد لقول الكوثري أن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون وجوبها، فهذه كتب السنة ليس فيها شيء من ذاك، وإنما هي مجرد دعوى منه, ليبني عليها ذلك التأويل الذي بيَّن المؤلف رحمه الله بطلانه بالدليل القاطع. ومما يؤكد بطلان ذلك التأويل ويدل أن أبا حنيفة نفسه كان لا يقول به قولُ الإِمام محمَّد في"موطئه" (ص 286) :"أما العقيقة فبلغنا أنها كانت في الجاهلية وقد فعلت في أول الإِسلام، ثم نسخ الأضحى كل ذبح كان قبله ..."قلت: هذا نص منه بنسخ مشروعية العقيقة، فهل يجوز العمل بالمنسوخ؟! ولو كان عند الكوثري شيء من الإنصاف لاعتذر عن أبي حنيفة بأي عذر مقبول، ولانتصر للسنة على الأقل مثلما ينتصر لإمامه، ولغار عليها أن تعطل عن العمل بها بجعلها أمرًا مباحًا فحسب كأي ذبيحة =