أحاديث"الصحيحين"قطعية الثبوت. [2/ 136] وكان مع ذلك غايةً في الجمود على المذهب، والتفاني في الدفاع عنه. وفي مسلكه هذا ما يظهر منه علوُّ طبقته في ذلك. ذكر أن لأصحابه طرقًا في التملُّص من أحاديث"الصحيحين"في هذه المسألة، من ترجيح غيرها أو دعوى اضطرابها أو نسخها، وأنه لم يَرْتضِ شيئًا من ذلك، واختار طريقًا جديدًا يجمع بين الأدلة في زعمه. وهو أن القطع أولًا كان في ثمن المجنّ، كما في حديث"الصحيحين"عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وكانت قيمة المجن أولًا قليلة، ثم أخذتْ تزيد بزيادة اتساع حال المسلمين حتى بلغت عشرة دراهم فأُقِرَّ الأمرُ عليها، وتُرِكَ اعتبارُ ثمن المجن. وذلك كما هو الحال عنده في الدية. قال:"وعلى نحو هذا حملتُ حدَّ الخمر ومقدارَ المهر".
أقول: لم أظفر بتطبيق الأخبار على هذا المسلك، لكن قد يقال: كان
= بالاستحباب، على الرغم من أن التحقيق الذي وصل إليه يُلزِمه ذلك، فهو يقول في الكتاب المذكور (2/ 257 - 259) : فقد ثبت الأمران عندي (الرفع والترك) ثبوتًا لا مرد له، ولا خلاف إلا في الاختيار، وليس في الجواز". ثم نقل عبارة لأبي بكر الجصاص تؤيد ما ذكره من الجواز، ثم قال:"فاسترحت حيث تخلصت رقبتي من الأحاديث الثابتة في الرفع"! كذا قال، وفي عبارته من الركة ما لا يخفى، وإذا قال بجواز الرفع وأراد الجواز الذي يستوي فيه الفعل والترك، فلم يأت بشيء جديد بإثباته الرفع, لأن القائلين به لا يقولون بوجوبه، وإن أراد به جوازًا مع استحباب فهلا صرح به، وغالب الظن أنه هو الذي أراده، وإلا كان الرفع عبثًا لا يقول به فقيه مثله، وإنما لم يصرح به؛ لأنه لم يجد في مذهبه مَن سبقه إلى ذلك! ثم إذا صح ظننا به، فهل كان يرفع يديه كسبًا للثواب، بل وبيانًا للجواز ولو بالمعنى الأول؟ عِلْم ذلك عند أصحابه، وظني أنه لم يفعل، لغلبة العصبية المذهبية على مَن حوله. والله المستعان. [ن] ."