ذاك الإرسال ليس بتدليس. واحتج الشيخان بكثير من أحاديث عمرو التي لم يُصرِّح فيها بالسماع. واحتج مسلم [1] بحديث في المخابرة رواه ابن عيينة عن عمرو عن جابر، مع أنه قد ثبت عن ابن عيينة أن عمرًا لم يصرِّح فيه بالسماع من جابر. وهذا الترمذي [2] حاكي الحكايتين عن البخاري صحَّح في حديث لحوم الخيل روايةَ ابن عيينة التي فيها:"عمرو عن جابر"، وخطَّأ حماد بن زيد في قوله:"عمرو، عن محمَّد بن علي، عن جابر"مع جلالة حماد وإتقانه، فلو كان عند الترمذي أن عمرًا يدلِّس لَما كان عنده بين الروايتين منافاة. والصحيح أنه لا منافاة ولا تدليس، كما مرَّ.
فأما ما في"معرفة الحديث"للحاكم (ص 111) في صدد كلامه في التدليس:"فليعلم صاحب الحديث أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ... وأن عامة حديث عمرو بن دينار عن الصحابة غير مسموعة"، فإنما قال ذلك في صدد من روى عمن لم يره قطُّ ولا سمع منه شيئًا. فإن تلك العبارة هي في صدد قوله (ص 109) :"الجنس السادس من التدليس: قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قطُّ ...". وحاصل ذلك أن عمرًا يرسل عمن لم يره من الصحابة. وهذا - على قلة ما قد يوجد [2/ 147] عن عمرو فيه - ليس بتدليس، وإنما يسمِّيه جماعة تدليسًا إذا كان على وجه الإيهام. فأما أن يرسل المحدِّث عمن قد عرف الناس أنه لم يدركه أو لم يلقه، فلا إيهام فيه، فلا تدليس.
وعادة أئمة الحديث إذا كان الرجل ممن يكثر منه هذا الإرسال أن
(1) رقم (1536/ 93) .
(2) رقم (1793) .