وقال تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ الْقَوْلِ} [القتال: 30] .
والمعرفة بلحن القول لا يختص به صلى الله عليه وآله وسلم، وإن كنا لا ننفي أن يكون الله عَزَّ وَجَلَّ أطلعه على بعضهم، أو على جميعهم بعد ذلك.
فالمتعيّن هو الثالث، وهو أن المراد بالمؤمنين في الآية هم الذين ظهرت دلائل الإيمان عليهم بمحافظتهم على مقتضاه، ومجانبتهم ما يخالفه، وعُرِف أن ذلك [ص 32] صار خُلقًا لهم، بحيث تطمئنّ نفوسُ عارفيهم إلى صدق إيمانهم، فيكون كلّ منهم بذلك قد آمن عارفيه، أي جعلهم آمنين من أن يقع منه ما يخالف الإيمان من كذب أو غيرهم [1] ، فاستحقّ أن يؤتمن ويؤمَّن من التكذيب.
وقريب من هؤلاء قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المشهور:"المؤمنُ مَن أَمِنَه الناسُ على دمائهم وأموالهم" [2] .
وإنما يأمنه الناس إذا كانوا قد اختبروه فعرفوه بعدم الاعتداء والخيانة، فكذلك في الآية. والله أعلم.
ويؤكد هذا المعنى مفهوم قوله تعالى عزَّ وجلَّ: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ
(1) كذا ولعلها:"أو غيره".
(2) أخرجه الترمذي (2627) ، والنسائي (4995) ، وأحمد (8931) ، وابن حبان (180) ، والحاكم: (1/ 10) وغيرهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم على شرط مسلم.