فهرس الكتاب

الصفحة 1501 من 9788

عنوان الخطبة

اسم الخطيب

أحمد فريد

رقم الخطيب

رقم الخطبة

اسم المسجد

غير محدد

تاريخ الخطبة

ملخص الخطبة

1-صفات عباد الرحمن كما ذكرها القرآن. 2- السكينة والوقار من غير تضعف. 3- الاعراض عن الجهلة. 4- عبادة عباد الرحمن. 5- القصد في الإنفاق. 6- حرمة قتل المعصوم الدم. 7- كيفية تبديل السيئات إلى حسنات. 8- دزاء عباد الرحمن في الآخرة.

الخطبة الأولى

أما بعد:

قوله عز وجل في وصف عباد الرحمن:

وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا والذين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غرامًا إنها ساءت مستقرًا ومقامًا والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورًا رحيمًا ومن تاب وعمل صالحًا فإنه يتوب إلى الله متابًا والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كرامًا والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صمًا وعميانًا والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلامًا خالدين فيها حسنت مستقرًا ومقامًا قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزامًا [الفرقان:63-77] .

في هذه الآيات الكريمات من خواتيم سورة الفرقان، يصف الله عز وجل عباده الذين شرفهم بنسبتهم إليه، فأول أوصافهم أنهم: يمشون على الأرض هونًا أي بسكينة ووقار وبغير تجبر ولا استكبار، وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تضعفا ورياء، فقد كان سيد ولد آدم إذا مشى فكأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له، وقد كره السلف رضي الله عنهم المشي بتضعيف وتصنع، حتى روي عن عمر أنه رأى شابا يمشي رويدا فقال: ما بالك أأنت مريض؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. فعلاه بالدرة وأمره أن يمشي بقوة.

قال الحسن البصري: إن المؤمنين قوم ذلت والله منهم الأسماع والأبصار والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مرضى، وإنهم والله الأصحاء، ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، أما والله ما أحزنهم ما أحزن الناس، ولا تعاظم في نفوسهم شيء طلبوا به الجنة، ولكن أبكاهم الخوف من النار، إنه من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قل علمه وحضر عذابه.

وقوله عز وجل: وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا أي إذا سفه عليهم الجاهل بالقول السيئ لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرا، كما كان سيدهم لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما.

وبعد أن وصف الله عز وجل نهارهم، أخبرنا أن ليلهم خير ليل، فقال عز وجل: والذين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا كما قال تعالى: كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وقال تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا [السجدة:16] . وأشار عز وجل بقوله: لربهم ، إلى إخلاصهم فيه ابتغاء وجهه الكريم.

إذا ما الليل أقبل كابدوه فيسفر عنهم وهم ركوع

أطار الخوف نومهم فقاموا وأهل الأمن في الدنيا هجوع

ومع اجتهاد عباد الرحمن في طاعة الله عز وجل، ومواظبتهم ليل نهار، على طاعته، فهم كذلك وجلون مشفقون من عذاب الله عز وجل، خائفون من عقابه، قال تعالى: والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غرامًا [الفرقان:65] .

قال الحسن: كل شيء يصيب ابن آدم يزول عنه فليس بغرام، وإنما الغرام الملازم ما دامت السماوات والأرض.

إنها ساءت مستقرًا ومقامًا أي بئس المنزل منظرا وبئس المقيل مقاما.

ثم وصف الله عز وجل عباده في النفقة والاقتصاد، فقال عز وجل: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا [الفرقان:67] .

أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم، بل عدلا خيارا، وخير الأمور أوسطها، كما قال الله عز وجل: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط [الإسراء:29] .

وقال الحسن البصري: ليس في النفقة في سبيل الله سرف.

وقال غيره: السرف النفقة في معصية الله.

ثم بين الله عز وجل أن عباد الرحمن ليسوا معصومين من الذنوب، ولكنهم يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، وإن تلبس أحد المسلمين بشيء من أنجاس هذه الكبائر ثم تاب وأناب وحسنت توبته، فإنه يدخل كذلك في عباد الرحمن فقال: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورًا رحيمًا ومن تاب وعمل صالحًا فإنه يتوب إلى الله متابًا [الفرقان:68-71] .

حدث الإمام أحمد عن ابن مسعود قال: (( سئل رسول الله أي الذنب أكبر؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك قال: ثم أي ؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قال: ثم أي ؟ قال: أن تزاني حليلة جارك ) ) ( [1] ) .

قال عبد الله وأنزل الله تصديق ذلك والذين لا يدعون مع الله إلها آخر الآية إلى قوله: يلق أثامًا أي يجد في الآخرة جزاء إثمه وقال عكرمة: أودية في جهنم يعذب فيها الزناة، وقوله: يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا أي ذليلا محتقرا فيجمع له بين عذاب الجسد، والعذاب المعنوي، قوله: إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا أي تاب من جميع ذلك واستمر في الدنيا على طاعة الله عز وجل. قال الحافظ ابن كثير: وفي ذلك دلالة على صحة توبة القاتل، ولا تعارض بين هذه وآية النساء: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤهم جهنم خالدًا فيها [النساء:93] .

فإن هذه وإن كانت مدنية إلا أنها مطلقة، فتحمل على من لم يتب، لأن هذه مقيدة بالتوبة، وقد ثبتت السنة الصحيحة عن رسول الله بصحة توبة القاتل، ثم قال عز وجل: فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات .

وفي هذه الآية قولان: أحدهما: أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات، قال عطاء بن أبي رباح: هذا في الدنيا يكون الرجل على صفة قبيحة ثم يبدله الله بها خيرا، وقال سعيد بن جبير: أبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الرحمن، وأبدلهم بقتال المسلمين قتال المشركين وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات، والقول الثاني: أن تلك السيئات تنقلب بالتوبة النصوح حسنات، كما ثبتت السنة بذلك، وصحت به الآثار المروية عن السلف رضي الله عنهم فعن أبي ذر قال: قال رسول الله: (( إني لأعرف آخر أهل الجنة خروجا من النار، وآخر أهل الجنة دخولا إلى الجنة، يؤتى برجل فيقول: نحّوا عنه كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت يوم كذا، كذا وكذا، وعملت يوم كذا كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئا، فيقال: فإن لك لكل سيئة حسنة، فيقول: يا رب عملت أشياء لا أراها ههنا؟ قال: فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه ) ) ( [2] ) .

ثم قال عز وجل في وصف عباد الرحمن: والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كرامًا والزور هو الكذب والفسق واللغو والباطل، وفي الصحيحين عن أبي بكرة قال: قال رسول الله: (( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثا . قلنا:بلى يا رسول الله، قال: الشرك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور ) )فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت، ويروى عن ابن عباس في هذه الآية: والذين لا يشهدون الزور قال: أعياد المشركين، وقال ابن مسعود: الزور الغناء.

وقوله عز وجل: وإذا مروا باللغو مروا كرامًا أي إذا اتفق مرورهم بأهل اللغو، وهو كل ما ينبغي أن يلغى ويطرح، مروا معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن الخوض معهم، كقوله تعالى: وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين [القصص:55] .

ومن صفاتهم كذلك -عباد الله- أنهم إذا وعظوا بآيات الله وخوفوا بها: لم يخروا عليها صمًا وعميانًا بل أكبو عليها سامعين بآذان واعية كما قال الله عز وحل في وصفهم: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا [الأنفال:2] .

ولذا قال قتادة فيهم: هم قوم عقلوا عن الله وانتفعوا بما سمعوا من كتابهم.

ومن صفات عباد الرحمن كذلك عباد الله: حرصهم على صلاح زوجاتهم وذرياتهم، فهم يقولون: ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا قال الحسن البصري: أن يُريَ الله العبد المسلم من زوجته ومن أخيه ومن حميمه طاعة الله، ولا والله لا شيء أقر لعين المسلم من أن يرى ولدا صالحا، أو ولد ولد، أو أخا، أو حميما مطيعا لله عز وجل.

روى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوما، فمر بنا رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأيا رسول الله ، لوددنا أننا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت، فاستغضب المقداد، فجعلت أعجب ؛ لأنه ما قال إلا خيرًا، ثم أقبل إليه، فقال: ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرا غيّبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف يكون فيه، والله لقد حضر رسول الله أقوام أكبهم الله على مناخرهم في جهنم ، لم يجيبوه ولم يصدقوه ، أو لا تحمدون الله إذا أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعرفون إلا ربكم ، مصدقين بما جاء به نبيكم ، قد كفيتم البلاء بغيركم؟ لقد بعث الله النبي على أشر حال بعث عليها نبيا من الأنبياء، في فترة جاهلية ما يرون أن دينا أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، وإن كان الرجل ليرى والده وولده وأخاه كافرا وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان يعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار، وأنها التي قال الله تعالى: والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ( [3] ) [الفرقان:74] .

وقوله عز وجل: واجعلنا للمتقين إمامًا قال ابن عباس والحسن: أئمة يقتدى بنا في الخير، وقال غيرهما: هداة مهتدين دعاة إلى الخير فأحبوا أن تكون عبادتهم متصلة بعبادة أولادهم وذرياتهم، وأن يكون هداهم متعديا إلى غيرهم بالنفع، فذلك أكثر ثوابا وأحسن مآبا، وقال بعض السلف: بأن في الآية دليل على أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها.

ثم قال عز وجل بعد وصف عباده وأحبابه: أولئك أي المتصفون بما ذكر، وهو خبر لقوله عز وجل: عباد الرحمن ، يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلامًا خالدين فيها حسنت مستقرًا ومقامًا والغرفة هي الدرجة العالية في الجنة، أي يجزون بها على صبرهم على مشاق المجاهدات في الدعوة إلى الخيرات، والدأب على الطاعات واجتناب المحظورات: ]خالدين فيها أي مقيمين لا يظعنون ولا يحولون ولا يموتون: لا يبغون عنها حولًا [الكهف:108] ، وقوله: حسنت مستقرًا ومقامًا [الفرقان:76] . أي حسنت منظرا، وطابت مقيلا ومنزلا.

ثم قال عز وجل بعد أن ذكر أوصاف عباده المتقين ومآلهم: قل ما يعبؤا بكم ربي [الفرقان:77] . أي لا يبالي بكم ولا يقيكم ]لولا دعاؤكم[ قال ابن عباس: لولا إيمانكم، وقيل: لولا عبادتكم: فقد كذبتم أي بما جاءكم من الحق، إشارة إلى المشركين: فسوف يكون لزامًا أي سوف يكون هذا النبأ والذكر الحكيم أو الأمر الجليل أمر الرسالة لازما وثابتا، وقيل: لزامًا أي سوف يكون تكذيبهم مفضيا لعذابكم ودماركم في الدنيا والآخرة، ولقد صدق الله وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده.

نسأله تعالى خير ما عنده.

ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عباده الصالحين.

( [1] ) رواه البخاري (8/163) التفسير باب قوله تعالى: فلا تجعلوا لله أندادا ورواه في الأدب والتوحيد ، ورواه مسلم (2/80) الإيمان: باب الشرك أعظم الذنوب ورواه الترمذي والنسائي وأبو داود .

( [2] ) رواه مسلم (3/47) الإيمان: باب آخر أهل النار خروجا ، والترمذي (7/62) صفة جهنم .

( [3] ) قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه.

الخطبة الثانية

لم ترد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت