قدم عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق المدينة أميرا فخرج إلى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد عليه وغمض عينيه وعليه جبة خز قرمز ومطرف خزقرمز وعمامة خزقرمز فجعل أهل المدينة ينظرون إلى ثيابه إعجابا بها ففتح عينيه فإذا الناس ينظرون إليه فقال ما بالكم ياأهل المدينة ترفعون إلي أبصاركم كأنكم تريدون أن تضربونا بسيوفكم أغركم أنكم فعلتم ما فعلتم فعفونا عنكم أما إنه لو أثبتم بالأولى ما كانت الثانية أغركم أنكم قتلتم عثمان فوافقتم ثائرنا منا رفيقا قد فني غضبه وبقي حلمه اغتنموا أنفسكم فقد والله ملكناكم بالشباب المقتبل البعيد الأمل الطويل الأجل حين فرغ من الصغر ودخل في الكبر حليم حديد لين شديد رقيق كثيف رفيق عنيف حين اشتد عظمه واعتدل جسمه ورمى الدهر ببصره واستقبله بأشره فهو إن عض نهس وإن سطا فرس لا يقلقل له الحصى ولا تقرع له العصا ولا يمشي السمهى فما بقي بعد ذلك إلا ثلاث سنين وثمانية أشهر حتى قصمه الله خطبة له بمكة واستعمل سعيد بن العاص وهو وال على المدينة ابنه عمرو بن سعيد واليا على مكة فلما قدم لم يلقه قرشي ولا أموي إلا أن يكون الحارث بن نوفل فلما لقيه قال له يا حار ما الذي منع قومك أن يلقوني كما لقيتني قال ما منعهم من ذلك إلا ما استقبلتني به والله ما كنيتني ولا أتممت اسمي وإنما أنهاك عن التشذر على أكفائك فإن ذلك لا يرفعك عليهم ولا يضعهم لك قال والله ما أسأت الموعظة ولا أتهمك على النصيحة وإن الذي رأيت مني لخلق فلما دخل مكة قام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد معشر أهل مكة فإنا سكناها غبطة وخرجنا عنها رغبة ولذلك كنا إذا رفعت لنا اللهوة بعد اللهوة أخذنا أسناها ونزلنا أعلاها ثم شرج أمر بين أمرين فقتلنا وقتلنا فوالله ما نزعنا ولا نزع عنا حتى شرب الدم دما وأكل اللحم لحما وقرع العظم عظما فولي رسول الله صلى الله عليه وسلم برسالة الله إياه واختياره له