حق العودة ثابت لناإسم الخطيب: عكرمة صبري
تاريخ الخطبة: 21/6/2002
ملخص الخطبة
1-سيخرج من العرب دعاة للضلالة والفتن. 2- أحاديث الفتن تتجلى في أيامنا هذه. 3- عودة اللاجئين حق مشروع لا تنازل عنه. 4- لا يجوز لأحد من اللاجئين أخذ بدل مالي عن الأراضي والممتلكات. 5- الأبناء يرثون الآباء في ممتلكاتهم وحقوقهم. 6- لا يجوز شرعًا اعتبار المستوطنات عوضًا وبدلًا عن الأراضي المصادرة من للاجئين. 7- احفظ الله يحفظك. 8- ممارسات اليهود التعسفية في منع المسملين من الوصول إلى الأقصى. 9- إماطة الأذى عن الطريق صدقة. 10- النصر يعتمد على الإيمان.
نص الخطبة
الخطبة الأولى:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالًا , الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
بفضل سورة الإخلاص اللهم لا تكلنا إلى أحد ولا تحوجنا إلى أحد وأغننا يا ربي عن كل أحد، يا من إليه المستند وعليه المعتمد، عاليًا على العلا، فوق كل العلا، فرد صمد، منزه في ملكه ليس له شريك ولا ولد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير القائل: {وََلاَ تََكُونُُواْ كَ?لَّذِِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنسَـ?هُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ ?لْفَـ?سِقُونَ} [الممتحنة:19] .
ونشهد أن سيدنا وقائدنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله الذي حذرنا من التبعية لغير المسلمين بقوله: (( لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم , قيل: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ) ), وهناك رواية (( بسُنن ) )بدل (( سنَن ) )والمعنى واحد, صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين وصحابته الغر الميامين ومن تبعهم واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، أيها المسلمون، يا أحبة الله، أوصيكم وإياي بتقوى الله وأحذركم ونفسي من عصيانه ومخالفة أمره , {مَّنْ عَمِلَ صَـ?لِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـ?مٍ لّلْعَبِيدِ} [فصلت:46] .
فقد روى الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني , وفي هذا الحديث النبوي الشريف المطول يسأل حذيفة قائلًا: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ فيجيبه عليه الصلاة والسلام: (( نعم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها ) ), قلت: صفهم لنا , قال صلى الله عليه وسلم: (( هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا, قلت ـ أي حذيفة ـ: فما تأمرني إن أدركني ذلك , قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم , قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام , قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ) ).
أي يا مسلمون، إنه سيخرج من العرب دعاة للضلالة والفتن والفساد والاستسلام، فعلينا أن نجتنبهم وأن لا نتعاون معهم , اللهم وحد المسلمين في جماعة واحدة وأن يكون لهم إمام واحد يحكم بكتاب الله وسنة رسوله.
أيها المسلمون، يا أحبة الله، هناك حديث نبوي شريف آخر يشير إلى أنه سيخرج من العرب من سيحاربون الإسلام وينشرون الفسوق والفتن في البلاد، فقد روت أم المؤمنين زينب _رضي الله عنها_من حديث مطول بأن النبي _صلى الله عليه وسلم_قد دخل عليها فزعًا وهو يقول: (( ويل للعرب من شر قد اقترب , فقلت(أي زينب) يا رسول الله:أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث )), والخبث هو الفساد والفتنة والاستسلام , اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، هناك حديث نبوي ثالث يشير إلى تكالب الأمم الكافرة على المسلمين فيقول رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم: (( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزِعنّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن , قال قائل: يا رسول الله وما الوهن قال: حب الدنيا وكراهية الموت ) ).
نعم أيها المسلمون , فإن عدد المسلمين في العالم يزيد عن مليار ونصف مليار ولكنهم غثاء كغثاء السيل .
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، كان رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم يتناول في خطب الجمعة الأحداث القائمة التي تقع من الجمعة إلى الجمعة , وتأسيًا بحبيبنا وقائدنا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم أتناول موضوع حق عودة اللاجئين مقابل استلام المستوطنات , أي تتنازل إسرائيل عن المستوطنات مقابل أن يتنازل اللاجئون عن العودة إلى ديارهم، بمعنى أوضح، أن يجري توطين اللاجئين الفلسطينيين في المستوطنات القائمة في الضفة الغربية وقطاع غزة لقاء تنازلهم عن بيوتهم وأراضيهم من عام ثمانية وأربعين، وهذا الطرح كان ضمن حلول مقترحة ممسوخة.
ولحل القضية الفلسطينية فهناك مؤامرات تطرح الآن لإيجاد حل للتخلص مما يسمى بالقضية الفلسطينية، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ?للَّهُ وَ?للَّهُ خَيْرُ ?لْمَـ?كِرِينَ} [الأنفال:30] ، والله عز وجل لهم بالمرصاد بقوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِ?لْمِرْصَادِ} [الفجر:14] .
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، سبق أن أصدرنا فتوى شرعية بشأن حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وإن حق العودة هو حق شرعي لا مجال للتنازل عنه، لا من قبل اللاجئين أنفسهم، ولا من قبل غيرهم، وإن هذا الحق حق ثابت غير خاضع للتفاوض، ولا يجوز لأحد أن يأخذ تعويضًا عن الممتلكات والأراضي، لأن ذلك يعتبر بيعًا، والبيع كما هو معلوم لا يجوز شرعًا باتفاق علماء الأمة, وتحاول إسرائيل أن تفسر معنى اللاجىء بأنه الشخص الذي لجأ بنفسه، ولا تعترف بحق لأولاده ولا لأحفاده، وحسب تفسير إسرائيل فإنه لم يعد هنا لاجئون، لأن اللاجئين الذين هاجروا عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين قد توفي معظمهم، ولم يبقَ منهم إلا العدد القليل.
ونقول: إن الدين الإسلامي قد أقر نظام المواريث، فإن الأبناء يرثون الآباء، وإن الأحفاد يرثون الآباء وهكذا، وعليه فإن عدد اللاجئين داخل فلسطين وخارجها يزيد عن خمس ملايين ونصف المليون، فهم وارثون شرعًا بالإضافة إلى المعاناة التي لحقت بجميع الأجيال نتيجة الهجرة والتشريد والإقامة في المخيمات.
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، ثم لا بد من التأكيد على أن أرض فلسطين هي وقف إسلامي وأن اللاجىء الذي لا يرغب في العودة أو لا يستطيع العودة لا يحق له أخذ أي تعويض عن بيته أو عن أرضه فإن ممتلكاته تعود للمسلمين كافة، وعليه فلا حل شرعًا لقضية اللاجئين إلا بعودتهم إلى ديارهم وأوطانهم , لن يسقط حقهم مهما طال الزمان.
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، أما موضوع المستوطنات فإنها مقامة على أرض مغتصبة ومصادرة ومملوكة، وعليه فهي غير شرعية ولا يجوز شرعًا اعتبارها بديلًا لحل موضوع اللاجئين، وإن ربط موضوع اللاجئين بالمستوطنات هو ربط خبيث ماكر غير شرعي، وهو حل مرفوض كما نرفض جميع الحلول الاستسلامية التي تطرح بين الفينة والأخرى، والتي لا تحافظ على الحق الشرعي لأهل فلسطين، ولا يصح إلا الصحيح، ولا صحيح إلا ما وافق القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ولا يصلح آخر هذا الأمر إلا بما صلح به أوله .
جاء في الحديث النبوي الشريف: (( احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك , وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك , رفعت الأقلام وجفت الصحف ) ).
وفى رواية: (( احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرًا ) )صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الخطبة الثانية
نحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، صلاة وسلام دائمين إلى يوم الدين , اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد .
أيها المصلون، لقد أصدرت الهيئة الإسلامية العليا ومجلس الأوقاف والشؤون الإسلامية بيانًا بعنوان: (أين حرية العبادة) وتضمن البيان ذكر إجراءات إسرائيل التعسفية بمنع عدد من المصلين من الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك، ونحن نعرف ونؤكد شرعًا بأنه لا يجوز أن يمنع أي مسلم من الوصول إلى الأقصى، والله يمهل ولا يهمل.
أيها المسلمون، أبدأ هذه الخطبة بحكاية صالح جليل دخل الجنة لماذا؟ لأنه رفع غصن شوك من الشجر عن الطريق حتى لا يتأذى الناس من هذا الغصن , فغفر الله له بعمله وأدخله الجنة، فقد قال رسولنا الأكرم بحق هذا الصالح: (( بينما رجل يمشي بالطريق وجد غصن شوك على الطريق، فأخّره، فشكر الله له فغفر له ) )ومعنى أخّره أي: أزاحه عن الطريق.
وفي وصف آخر: (( مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق , فقال: والله لأنحّيَنَّ هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فدخل الجنة ) ), وفي رواية أخرى: (( لقد رأيت رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق ) ), أي بسبب شجرة قطعها من ظهر الطريق فدخل الجنة , كانت هذه الشجرة تؤذي الناس، فلا غرابة في ذلك يا مسلمون، فإن إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان لقول رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم: (( الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها: قول: لا اله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ) ).
فعلى المسلمين أن يتوجهوا إلى الإيمان في جميع شعبه ومراتبه، ومعنى ذلك يا مسلمون أن من يرمي القاذورات في الطريق يكون آثمًا ويكون مهزوز العقيدة والإيمان، والأشد إثمًا من يسرق من الشارع ويبني فيه ويتجاوز حدوده، وكثير من شعبنا يستخف في اعتداءاته على الشوارع والطرقات العامة فيتجاوز في البناء، وعليه فيبقى الذي يتجاوز في البناء آثمًا طيلة حياته ما دام البناء قائمًا في طرف الشارع أو آخذًا من الشارع، وهذا مؤشر على ضعف الإيمان، وأننا لا نتعامل فيما بيننا على أساس الإيمان، ثم نقول: لماذا لم ينصرنا الله؟ فكيف ينصرنا الله ونحن نعتدي على بعضنا البعض بقصد، ونعتدي على الشارع العام الذي هو ملك لجميع المسلمين , وإنما نتعامل حاليًا على أساس المصالح الشخصية الضيقة، فإذا تعرضت مصلحة شخص فإنه يقوم ولا يقعد، ويحولها عشائرية ويجمع أقاربه على الباطل، ليحمي نفسه، فالذي يريد أن ينصر أخاه ينصره على الحق وليس على الباطل.
ونحن جميعًا مدعوون للاحتكام إلى الكتاب والسنة في جميع أمورنا، ليس أن نصلي ثم نذهب لنعتدي على جارنا أو على غيرنا زورًا وبهتانًا، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (( تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ) ).
واعلموا أنكم بين يدي الله موقفون وبأعمالكم محاسبون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.