فهرس الكتاب

الصفحة 4847 من 9788

بين يدي عام دراسي جديد 9 تشرين أول 2002 - 17:17 توقيت القدس

إسم الخطيب: محمد حسين

تاريخ الخطبة: 16/8/2002

ملخص الخطبة

1-كلمة في استقبال العام الدراسي الجديد. 2- الغاية في تحصيل العلم وتعلمه. 3- دور المجتمع في حراسة العملية التربوية. 4- قصة لقمان مع ابنه ونموذج التربية الإيمانية. 5- دعوة للنهوض بالمسيرة التربوية. 6- ذكرى حرق اليهود للمسجد الأقصى.

نص الخطبة

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي جعل طلب العلم من أجلّ الأعمال وأعظم القربات فقال تعالى: {يَرْفَعِ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْعِلْمَ دَرَجَـ?تٍ} [المجادلة:11] ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، سيد المرسلين وإمام المعلمين وقدوة العاملين، صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين وصحابته الغر الميامين ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهد بذلك لنفسه وثنى بملائكة قدسه، وأقر بذلك أهل العلم من خلقه فقال تعالى: {شَهِدَ ?للَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ وَ?لْمَلَـ?ئِكَةُ وَأُوْلُواْ ?لْعِلْمِ قَائِمًَا بِ?لْقِسْطِ لاَ إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ ?لْعَزِيزُ ?لْحَكِيمُ} [آل عمران:18] .

وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أخبرنا أن طلب العلم طريق إلى الجنة فقال عليه الصلاة والسلام: (( من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة ) ).

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم وطاعته، وأحذركم وإياي من عصيانه ومخالفة أمره، لقوله تعالى: {مَّنْ عَمِلَ صَـ?لِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـ?مٍ لّلْعَبِيدِ} [فصلت:46] .

أما بعد، فيقول الله تعالى في محكم كتابه العزيز: {?قْرَأْ بِ?سْمِ رَبّكَ ?لَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ?لإِنسَـ?نَ مِنْ عَلَقٍ * ?قْرَأْ وَرَبُّكَ ?لأَكْرَمُ * ?لَّذِى عَلَّمَ بِ?لْقَلَمِ * عَلَّمَ ?لإِنسَـ?نَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:1- 5] .

أيها المسلمون، أيها المرابطون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، يقف أبناؤنا الطلاب في هذه الأيام على أعتاب عام دراسي جديد، إذ يتوجهون بعد أيام قليلة إلى مدارسهم ويلتحقون بجامعاتهم للانخراط في طلب العلم في عام جديد من الدرس والتحصيل والاستزادة من العلم الذي ينفعهم في دينهم ودنياهم، فقد حث إسلامنا الحنيف على طلب العلم، وحسب العلم شرفًا أن تكون أول سورة من القرآن الكريم المنزل على قلب رسولنا الأكرم $ تحث على القراءة والكتابة والعلم، وهما من أهم الوسائل الموصلة إلى المعرفة والثقافة وتكوين العلوم وحفظ المعارف المختلفة، وقد بينت الآيات الكريمة أن الغاية من العمل وطلبه هو الإيمان بالخالق سبحانه وتعالى: {?قْرَأْ بِ?سْمِ رَبّكَ ?لَّذِى خَلَقَ} [العلق:1] ، وبهذا تتضح غاية العملية التربوية والتعليمية التي أرادها الإسلام لأبناء المسلمين، بل لكل بني البشر، فالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة تربط طلب العلم بغاية نبيلة وهدف، هو الإيمان بالخالق جل علاه.

أيها المسلمون، يا أبناء ديار الإسراء والمعراج، إن المسيرة التعليمية تحتاج إلى تضافر كل الجهود المخلصة لإنجاحها وتقدمها واستمرارها، فلا تقع المسئولية على عاتق الهيئات التدريسية وحدها، هذه الهيئات التي تعمل مشكورة بتفانٍ والتزام _ في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها وطننا الغالي _ على انتظام العام الدراسي الجديد، بل يشاركها المسئولية البيت والمجتمع وكل من له علاقة بعملية التربية والتعليم، إذ لا تقوم المجتمعات المتقدمة إلا على أسس العلم والاستفادة من طاقات العلماء.

أيها المسلمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، لقد أدرك سلفنا الصالح غايات المنهاج التربوي، فعملوا على تحقيقها وتطبيقها في حياتهم، فنشأ أبناؤهم على الإيمان القوي والعلم النافع والعمل الصالح والقيم الفاضلة، لقد طبقوا التوجيه التربوي في آيات القرآن الكريم على أنفسهم وأبنائهم، ومن ذلك ما حكاه القرآن الكريم عن لقمان الحكيم، وهو يعظ ولده {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ ي?بُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ بِ?للَّهِ إِنَّ ?لشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا ?لإِنْسَـ?نَ بِو?لِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى? وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ أَنِ ?شْكُرْ لِى وَلِو?لِدَيْكَ إِلَىَّ ?لْمَصِيرُ * وَإِن جَـ?هَدَاكَ عَلَى? أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَـ?حِبْهُمَا فِى ?لدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَ?تَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ %* ي?بُنَىَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ?لسَّمَـ?و?تِ أَوْ فِى ?لأرْضِ يَأْتِ بِهَا ?للَّهُ إِنَّ ?للَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * ي?بُنَىَّ أَقِمِ ?لصَّلَو?ةَ وَأْمُرْ بِ?لْمَعْرُوفِ وَ?نْهَ عَنِ ?لْمُنْكَرِ وَ?صْبِرْ عَلَى? مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ?لاْمُورِ * وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِى ?لأرْضِ مَرَحًا إِنَّ ?للَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان:13_18] ، وفي الحديث الشريف عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: (( ما نحل والدٌ ولدًا أفضل من خلق حسن ) ).

إن هذه النصوص الكريمة تأسس لمنهاج تربوي شامل يجدر بكل المربين أن يطبقوه، وهم يباشرون عملية التربية والتعليم لأبناء هذه الأمة، فأول معالم هذا المنهاج التركيز على تثبيت العقيدة والتوحيد في نفوس الأبناء: {ي?بُنَىَّ لاَ تُشْرِكْ بِ?للَّهِ} ، وثانيها: العبادات بمعناها الواسع حيث شحن النفس بطاقات الإيمان والصبر ومراقبة الله بالسر والعلن {ي?بُنَىَّ أَقِمِ ?لصَّلَو?ةَ} ، إذ من أقام الصلاة التزم بسائر الطاعات، وثالثها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي قاعدة شاملة لكل أنواع الخير، والبعد عن أسباب الشر والفساد، ورابعها: التحلي بمكارم الأخلاق والرفض القاطع لكل مظاهر التكبر والتجهر والفجور {وَلاَ تَمْشِ فِى ?لأرْضِ مَرَحًا إِنَّ ?للَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان:18] .

على هذا المنهاج العظيم نشّأ سلفنا الصالح أبناءهم، فكانوا سادة الدنيا وقادتها في جميع ميادين العلم والفضل والمعرفة، ولقد أصاب القائل:

وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه

ما دان الفتى بحجي ولكن يعوده التدين أقربوه

أيها المسلمون، أيها المربون والمعلمون، إن مسئولية تربية الأجيال وتوعيتهم وإزالة الغشاوة عن قلوبهم وعقولهم تقع عليكم، فنوروا عقولهم بالمعارف الإسلامية، وبثوا في نفوسهم الأمل بمستقبل هذه الأمة، احرصوا على التزام الأبناء بالإسلام دينًا ودولة، وبالقرآن دستورًا ينظم الحياة والأحياء، وبالثقافة الإسلامية روحًا وفكرًا، وبدعوة الإسلام حركة وجهادًا، بينوا أن الإسلام مصحف وبندقية ومحراب وقيادة، وهو الدين الذي له ملكة الشمول والخلود والبقاء للزمن المتحضر والحياة المتطورة، ابعثوا هذه القيم فكرًا حيًا في عقول وقلوب الأبناء الطلاب حتى ينشأ على حب الإسلام ومكارم الأخلاق ويحملوا مشعل الهداية لصياغة مستقبل الأمة على أسس العلم والتقوى والعزة والوحدة، الذي طالما افتقدته الأمة منذ زمن بعيد، وراح الكافر المستعمر يقطع أوصال الأمة وينفرد بشعوبها وينهب خيراتها ويملي إرادته عليها، وينفذ مخططاته في السيطرة على مقدراتها كما هو جارٍ في دنيا العروبة والإسلام في أيامنا هذه، مع أننا نملك من أسباب القوة وعوامل الوحدة ما يجعل أمتنا في مقدمة ركب الأمم، {وَكَذ?لِكَ جَعَلْنَـ?كُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ?لنَّاسِ وَيَكُونَ ?لرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] ، {وَلِلَّهِ ?لْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـ?كِنَّ ?لْمُنَـ?فِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [المنافقون:8] . فاعتبروا يا أولي الألباب، وادعوا الله، وأنتم موقنون بالإجابة.

الحمد لله الهادي إلى الصراط المستقيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، $ وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن اقتدى واهتدى بهداه إلى يوم الدين، وبعد:

أيها المسلمون، إن النهوض بالعميلة التربوية والتعليمية مسؤولية خاصة وعامة، تبدأ في البيت والمدرسة والجامع والجامعة، فاحرصوا على التصدي لكل المظاهر السلبية التي تتفشى بين الطلاب وتفتك بقيمهم وأخلاقهم وثقافتهم، فلا تفسحوا للتسيب مجالًا ولا تسمحوا للأفكار الوافدة أن تسيطر على أذهان الجيل، اكشفوا لهم عن المخططات المعادية التي تستهدف تدمير الأبناء ونشر الانحلال من خلال المخدرات والإسقاط في براثن الفساد والمفسدين، ليكون الأبناء بعد هذا لقمة سائغة للمستعمر الطامع لأرضكم ومقدراتكم، إذ كيف يمكن للمرابطين أن يصمدوا في أرضهم إن لم يكونوا محصنين بالتقوى وقوة الإيمان وحسن الخلق والوعي والمعرفة؟ فالأخلاق حصن منيع لا يمكن لعوائد الدهر اقتحامه، وإن ما يدعو للأسف في هذه الديار المباركة ويؤلم كل نفس أبية أن نرى الرذيلة قد زحفت على مواقع الفضيلة، فاختلت القيم الإيمانية والاجتماعية، فبدا من كان يذود عن الشرف بالأمس يلاحق بالسوء اليوم لتشيع الفاحشة التي تهيأت أسبابها من الاختلاط الفاضح وتبرج فاق تبرج الجاهلية الأولى وتشبه الرجال بالنساء وتشبهت النساء بالرجال، فكثرت المترجلات وازداد المتخنثون، وحلت الميوعة مكان الرجولة وغابت المروءة والنخوة، فأصبحت ترى شبابًا يجوبون شوارع وأزقة المدينة المقدسة، همهم التعرض لبنات شعبهم، وكأنهم ليسوا من أبناء الشعب الذي يقع على عاتقهم حماية أخلاق وقيم وشرف هذا الشعب، هذا الشعب الصابر المرابط المكافح، فهلا نهض المربون بمسؤولياتهم وأدركوا أن أجيال الأمة أمانة في أعناقهم، فهم يحملون أشرف رسالة تقود إلى أنبل غاية اطلع بها العظماء من المربين والفضلاء من المعلمين الذين وهبوا - وما زالوا يهبون - حياتهم في سبيل نهضة أمتهم وبعث حضارتهم، أما آن الأوان لأن تنفض الأمة غبار التخلف والهزيمة والضياع لتأخذ بزمام العودة الصادقة إلى الإسلام، منهاج حياة يعيد للبشرية المنكوبة كرامتها وإنسانيتها.

إننا ندعو كل مسئول إلى بذل المزيد من الجهد والعطاء في سبيل نجاح مسيرة العلم وتأمين كل الوسائل اللازمة التي تهيؤ جو العطاء للمعلم والطالب والمربي والناشئ، واعلموا أيها الناس أن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع.

اللهم أعنا على أداء الأمانة وارزقنا الإخلاص في القول والعمل إنك سميع مجيب.

الخطبة الثانية:

أيها المسلمون بعد أيام قلائل تحل علينا ذكرى مشؤومة، إنها ذكرى الحريق المشؤوم للمسجد الأقصى المبارك، ففي الحادي والعشرين من آب لعام 1969امتدت يد الغدر والعدوان إلى هذا المسجد الأقصى المبارك، فأشعلت فيه نار الحقد والكراهية للإسلام والمسلمين، وقد أتى ذاك الحريق المشؤوم على منبر العزة والكرامة الذي نصبه القائد المحرر للقدس، صلاحُ الدين الأيوبي رحمه الله في هذا المكان الطاهر، ولكن العناية الإلهية ثم هبّة المسلمين في هذه الديار المباركة الذين يرابطون ويفتدون المسجد الأقصى بمهجهم وأرواحهم فوتت أهداف العدوان وردت كيد المعتدين إلى نحورهم.

ولكن أيها الإخوة، ما زالت يد العدوان تثير الفوضى وتثير الكراهية وتبث الخراب والدمار في أنحاء هذه المدينة المقدسة للوصول إلى تهويدها والنيل من المسجد الأقصى المبارك.

أيها الإخوة المسلمون، بصبركم وثباتكم وشرفكم الذي منحكم الله إياه بأن تكونوا سندة للمسجد الأقصى المبارك وحراسًا أوفياء له نستطيع بإذن الله وقوته أن نفوت كل أطماع الطامعين ونحافظ على المسجد الأقصى عامرًا بالإسلام والمسلمين وعلى مدينة القدس مدينة عربية إسلامية شامخة تتحدى الخطوب، والنصر قريب بإذن الله سبحانه وتعالى، وما ذلك بعزيز على أمةٍ القرآنُ دستورها والرسول قائدها، وسبحانه وتعالى ربها ومؤيدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت