مصارع الغرورإسم الخطيب: الشيخ عكرمة صبري
تاريخ الخطبة: 24/9/2002
ملخص الخطبة
-غرور أبي وأمية ابنا خلف وعاقبتهما. 2- مقتل أبي جهل في بدر. 3- تحريم الغرور. 4- التواضع صفة النبي صلى الله عليه وسلم. 5- عدلنا عندما ظهرنا على الدنيا وظلموا عندما ملكوا زمامها. 6- توجيه لأهل مدينة القدس. 7- اعتداء إسرائيلي على مقابر المسلمين في القدس. 8- جرائم يهودية لا تنتهي.
نص الخطبة
الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم جعله نطفة في قرار مكين، ثم سوّاه ونفخ فيه من روحه، فتبارك الله أحسن الخالقين.
الحمد لله القائل في سورة النحل: {وَجَعَلَ لَكُمُ ?لْسَّمْعَ وَ?لاْبْصَـ?رَ وَ?لافْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل:78] ، والقائل في سورة المؤمنون: {وَهُوَ ?لَّذِى أَنْشَأَ لَكُمُ ?لسَّمْعَ وَ?لاْبْصَـ?رَ وَ?لاْفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون:78] ، والقائل في سورة السجدة والملك: {وَجَعَلَ لَكُمُ ?لسَّمْعَ وَ?لاْبْصَـ?رَ وَ?لاْفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} [السجدة:9] .
وأشهد أن لا إله إلا الله، حرم الكِبْر والغرور وأوجب العدل والتواضع على كل حاكم ومحكوم، اللهمّ احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بعزّك الذي لا يضام، واكلأنا بعنايتك في الليل والنهار، في الصحارى والآكام.
وأشهد أن سيدنا وقائدنا وشفيعنا محمد عبد الله ورسوله، إمام العادلين وسيد المجاهدين صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وصحابته الغر الميامين، ومن سار على هديهم واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه:"يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك"صدق الله العظيم.
أيها المسلمون، أيها المصلون، هذه الآيات الكريمة من سورة الانفطار، وهي مكية، ونزلت بحق المشرك أُبي بن خلف، من زعماء قريش، والتي تصف أُبيّ بالغرور والتكبر، هذا المغرور الذي حاول قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم في معركة أحد ،ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام قد بادره بطعنة سقط فيها عن فرسه، وذهب أدراج الرياح.
أيها المسلمون، ومثل أبي بن خلف أخوه أميّة بن خلف، الذي سبق أن لاقى نفس المصير في معركة بدر، والذي كان من المتكبرين والمتغطرسين والمغرورين أيضًا، وقد لاقى حتفه على يد الصحابي بلال بن رباح -رضي الله عنه-.
وأميّة هذا الذي كان يعذب بلالًا بسبب إسلامه، فيردد بلال شعاره الإيماني قائلًا: (أحد أحد) ، وهذا الشعار قد رفعه بلال مرة أخرى في معركة بدر، وأعطى أميّة ما يستحق من الضربات القاضية، وانتهى الغرور بأميّة إلى جهنم وبئس المصير.
أيها المسلمون، لقد لاقى أبو جهل نفس المصير الذي لاقاه كل من الأخوين أُبي وأميّة، وأبو جهل الذي كان من أشد قريش تعنتًا وتسلطًا وغطرسة وغرورًا، فقد كان شؤمًا على قومه، مغرورًا بقوته، ساق أهل قريش إلى معركة بدر، ولكن الله عز وجل أراه المذلة في هذه المعركة، فقد طعنه غلامان من الأنصار بطعنات قد أسقطته على الأرض مغشيًا عليه، فجاء الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فوقف على صدر أبي جهل وقال له: يا عدو الله قد أخزاك الله، ويبصر أبو جهل عبد الله بن مسعود، وهو واقف على صدره ، فلم يحتمل غرور أبي جهل هذا الموقف ، فيقول لابن مسعود: يا رويعي الغنم لقد ارتقيت مرتقىً صعبًا. فيقول ابن مسعود: خذها يا عدو الله.
هذا أبو جهل المغرور الذي لم يتصور أن ابن مسعود الذي كان راعي الغنم عنده هو الذي يقف على صدره ويقتله في معركة بدر،ولكن الله نصر المسلمين الذين نصروه، فالله عز وجل أكبر من المغرورين، أكبر من المتكبرين، أكبر من العتاة الفاسدين المفسدين.
أيها المسلمون، لقد حرم الإسلام صفة الغرور في كثير من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة فقد وردت في القران الكريم مكررة خمسًا وعشرين مرة فيقول سبحانه وتعالى"إن وعد الله حق فلا تغرّنكم الحياة الدنيا ولا يغرّنكم بالله الغرور"والغَرور بفتح حرف الغين، الغَرور هو الشيطان للدلالة على أن صفة الغرور هي صفة مقيتة مرتبطة بالشيطان، وتجرّ صاحبها إلى مهالك كثيرة، وقال عليه الصلاة والسلام لعمّه العباس: (( أنهاك عن الشرك بالله والكبر، فإن الله يحتجب عنهما ) )فقد ربط عليه الصلاة والسلام الكبر بالشرك للدلالة على الإثم الذي يلحق من يتصف بهذه الصفة الخبيثة .
أيها المسلمون، إن المتتبع لسيرة رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم يرى أن صفات التواضع والحلم والعدل قد تجسدت في شخصه الكريم، وقد ورد أن رجلًا أُتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأصابته رَعْدة وخوف فقال له عليه الصلاة والسلام: (( هوّن عليك، فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد ) )؛ والقديد هو اللحم المجفف للدلالة على التواضع.
وحرص الصحابة الكرام على الالتزام بصفة التواضع خوفًا من أن يتسرب إليهم الغرور، فحينما كان أبو بكر الصديق يسمع مدح الناس له كان يقول: (اللهم أنت أعلم بي من نفسي ،وأنا أعلم بنفسي منهم،واغفر لي ما لا يعلمون،ولا تؤاخذني بما يقولون) ، وورد أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يجلس مختليًا بنفسه ويقول مخاطبًا نفسه: يا ابن الخطاب كنتَ وضيعًا فرفعك الله، وضالًا فهداك الله، وذليلًا فأعزك الله، وكان يعاتب نفسه ويبكي خشية أن يظلم غيره، وخشية أن يتسرب الغرور إلى نفسه. فأين حكامنا وزعماؤنا اليوم من هذه المواقف الإيمانية.
أيها المسلمون، لقد سار أجدادنا وخلفاؤنا على بركة الله في بقاع العالم ينشدون العدل ويعاملون شعوب البلاد المفتوحة بحسب تعاليم الإسلام، لا تفريق ولا تمييز ولا غرور لا مصادرة لأراضيهم، ولا هدم لبيوتهم، ولا تشتيت لعائلاتهم، فدانت لهم شعوب الأرض في فترة وجيزة من الزمان، وتمكن الإسلام العظيم من صهر قوميات مختلفة في بوتقة واحدة، هي بوتقة الإسلام، في رابطة جديدة، هي رابطة العقيدة الإسلامية، وحكم الإسلام جميع المواطنين حكمًا عادلًا، لا جبروت فيه ولا غطرسة ولا كبرياء ولا غرور.
أما الأمم والشعوب التي اتصفت بالعدوان وعاملت البلاد المفتوحة بالظلم والتسلط والتمييز والغرور، فإنها سرعان ما تنهار دولتها ويذهب سلطانها إلى حيث لا رجعة، فماذا كان مصير الرومان واليونان؟ وماذا كان مصير الصليبيين والمغول والتتار؟ هذه سنة الله، ولن تجد الله تبديلًا، ولن تجد لسنة الله تحويلا.
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، في وقتنا الحاضر، فإن أمريكا المغرورة باسم محاربتها للإرهاب وباسم تبجحها بالسلام والديمقراطية والعولمة والشعارات المزيفة، فإنها تريد وتصمم على غزو العراق دون أي مبرر سوى أن أمريكا قد اتصفت بالعنجهية وبالغرور والتسلط والاستكبار والاستهانة بالأمة الإسلامية وبالمسلمين في العالم في العالم، وإن أمريكا ترفع شعار: من ليس معنا فهو ضدنا، وذلك بهدف تركيع دول العالم واحتوائها، وإننا من على منبر المسجد الأقصى المبارك نحمّل المسؤولية الخطيرة للحكام في العالم العربي والإسلامي الذين ينقادون للسياسة الأمريكية ولقرارات مجلس الأمن المزيفة، بأمر من أمريكا فيما إذا حصل هجوم أمريكي على العراق ،فلا تتكبروا، الله أكبر، ولا تظلموا، فالله يمهل ولا يهمل ، خففوا الوطء، ما أظن أديم الأرض إلا من جثث القتلى الأبرياء الذين تساقطوا نتيجة غروركم وغطرستكم وإرهابكم، ولكن سيبقى الإسلام العظيم هو الأقوى، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
جاء في الحديث النبوي الشريف: (( إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد ) ). صدق رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم...
ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فيا فوز المستغفرين، استغفروا الله...
الخطبة الثانية
نحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، صلاة وسلامًا دائمين إلى يوم الدين.
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا ابراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أيها المسلمون، أيها المصلون، هناك ثلاثة أمور بحاجة إلى تعليق وتعقيب بإيجاز.
الأمر الأول: بشان شركة الكهرباء بالقدس وما تتعرض له من سرقات للتيار الكهربائي من بعض المواطنين، وقد سبق أن أشرت إلى هذه النقطة في خطبة سابقة، ولكن لم يرق للبعض تناولي لهذا الموضوع، والله اعلم بالنيات، ولم يتوقف الأمر على سرقات التيار الكهربائي، بل تمّ الاعتداء على موظفي وعمال الشركة من قبل السارقين، وكذلك الاعتداء على ممتلكات الشركة، بالإضافة إلى أن عدد المشاركين في الكهرباء لم يدفعوا الفواتير التي في ذممهم، وإن سكوت الناس عن هذه التعديات يعني أننا لسنا مؤهلين لأن نحكم أنفسنا بأنفسنا، فعلى المواطنين أن يقدروا المسؤولية وأن يحافظوا على ممتلكات المؤسسات المقدسية، وأن يدفعوا ما في ذممهم من استحقاقات مالية، فهي دين في الذمة، وهي عبارة عن حقوق الأيتام والأرامل المساهمين في شركة الكهرباء.
الأمر الثاني: بشأن الاعتداءات المتكررة على مقبرة: (مأمن الله) في القدس الغربية من قبل السلطات الإسرائيلية المحتلة وكان آخر هذه الاعتداءات هو المصادقة قبل أسبوع على مشروع بناء مجمع للمحاكم الإسرائيلية على الجزء المتبقي من مقبرة مأمن الله، هذه المقبرة التي تعتبر من أقدم المقابر الإسلامية في فلسطين وفي العالم، والتي تضم رفات الصحابة والمجاهدين والعلماء والصالحين منذ الفتح العمري وحتى عام 1948.
وكما هو معلوم بداهة أن أرض المقبرة هي وقف إسلامي، ولا تزول عنها صفة الوقفية مهما طال الاعتداء عليها، هذا وقد أصدرت الهيئة الإسلامية العليا ومجلس الأوقاف بيانًا تعترضان فيه على هذا المخطط العدواني وتحمل السلطات المحتلة مسؤولية ذلك.
الأمر الثالث: بشأن الذكرى العشرين لمجزرة صبرا وشتيلا التي وقعت في عام 1982، فقد مضى عشرون سنة على هذه المجزرة في لبنان، وليست مجزرة صبرا وشتيلا هي الشاهد الوحيد على عمق الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، فقد سبقت مجزرة صبرا وشاتيلا اثنتان وثمانون مجزرة، نعم اثنتان وثمانون مجزرة، منها مذابح دير ياسين وقبيه ونحالين وحوسان وقلقيلية والدوايمية والناقورة وغيرها.
أما اليوم، فإن الشعب الفلسطيني يتعرض لحرب إبادة مبرمجة، بدعم مباشر من أمريكا وتأييد دولي وصمت من العالم العربي، وإن هذه الحرب تهدف إلى تثبيت الاحتلال لإضفاء الصفة الشرعية عليه ولقمع الشعب الفلسطيني وإلصاق تهم الإرهاب به ،ثم يتحدثون عن إنهاء دائرة العنف، فقد انقلبت المعايير، والويل للضعيف. ولكن المجازر والحصارات الخانقة ضد هذا الشعب المسلم لن تزيدهم إلا تصميمًا وإرادة للوصول لحقه السليم من أيدي المحتلين.
{ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
اللهم آمنا في أوطاننا وفرج الكرب عنا، اللهم احم المسجد الأقصى من كل سوء، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، اللهم ارحم شهداءنا واشف مرضانا، وأطلق سراح أسرانا، وعليك بمن ظلمنا وآذانا، اللهم إننا مقهورون فانصرنا، وتائهون فأرشدنا، ومشتتون فاجمعنا، اللهم إنا نسألك توبة نصوحة، توبة قبل الممات، وراحة عند الممات، ومغفرة بعد الممات، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. وأقم الصلاة...