الزعيم الذي نريدالشيخ: يوسف فرحات
خطبة الجمعة- مسجد القسام، 26 ذي القعدة 1426هـ الموافق: 2005/1/7م
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا مثيل له ولا نظير له رب العالمين وقيوم السموات والأرضين.
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله الله سبحانه وتعالى بالحق المبين والصراط المستقيم، اللهم صل وسلم عليه في الأولين والآخرين وأحينا اللهم على سنته وأمتنا على ملته واحشرنا في زمرته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
عباد الله أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ولزوم طاعته وأحذركم ونفسي من عصيانه ومخالفة أمره لقوله تعالى:"مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ".
وبعد: أيها الأخوة المسلمون، المرابطون على أرض الرباط:
يقول الله تعالى في كتابه العزيز:
"إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا"،"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا".
صدق الله العظيم وبلغ رسوله الكريم ونحن على ذلكم من الشاهدين، اللهم اجعلنا من شهداء القسط يا رب العالمين.
أيها الأخوة المسلمون:
أخرج الإمام أحمد والإمام ابن حبان والإمام الحاكم بإسناد صححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله e قال:"لتُنقَضَن عُرى الإسلام عروةً عروةً فكلما انتقضت عروةٌ تشبث الناس بالتي تليها، أُولاهن نقضًا الحكمُ وآخرهن الصلاة"، وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده والإمام الطبراني بإسناد فيه ضعف من حديث معاذ بن جبل قال عليه الصلاة والسلام:"ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الإسلام حيث دار، ألا إن القرآن والسلطان سيفترقان (الدين والدولة) فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم فإن عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلوكم قالوا: وماذا نصنع يا رسول الله؟ قال:"كما صنع أصحاب عيسى بن مريم نُشِّروا بالمناشير وحملوا على الخُشب ، موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله"."
هذه الأحاديث أيها الأخوة تخبرُ عن الفصام النكد الذي حدث بين الدين والدولة بين السلطان والقرآن حدث على إثر سيطرة العلمانية على تركيا المسلمة وسقوط الخلافة الإسلامية ، هذه الخلافة التي كانت تمثل المرجعية العليا للأمة الإسلامية والمظلة التي يستظلل بها كل مسلم ، كانت عنوانًا ورمزًا لعزة المسلمين وكرامتهم لذلك بذل الاستعمار الغربي للبلاد الإسلامية جهودًا كبيرة في غرس ثقافة مؤداها: أن الإسلام دين لا دولة ، كما أنهم شجعوا ودعموا إنشاء جمعيات وأحزاب تحمل هذه الثقافة ومن هذه الأحزاب والجمعيات، جمعية الاتحاد والترقي في تركيا والتي يقف على رأسها مصطفى كمال أتاتورك والذي تولى كِبَرَ المؤامرة على الإسلام في تركيا.
كما أن الحديث أيها الأخوة يبرز دور القرآن في حياة الأمة وذلك حينما تحتكم الأمة لتشريعاته وتعليماته، لذلك كان وجود الحاكم المسلم الذي بحكم بشريعه القرآن من أوجب الواجبات على الأمة، لأنه هو الذي يكفل ويضمن للأمة هيبتها وكرامتها وعزتها ويحمي البيضة ويقيم الحدود ومن هنا جاءت أهمية الحكم حيث إذا انتقض انتقضت باقي عُرى الإسلام على إثره.
أيها الأخوة المسلمون لقد ابتليت الأمة الإٍسلامية من جراء غياب الشريعة وإقصاء القرآن عن سدة الحكم بجملة من الحكام الظلمة الذين استنزفوا مقدرات الأمة وأعطوا ولاءهم لأعداء الإسلام ،وحكموها بالحديث والنار ولعل سبب ذلك كله يرجع إلى شؤم المعاصي والذنوب لذلك ذكر ابن القيم في كتاب ( الداء والدواء ) عن مالك بن دينار قال جاء في الحكمة، يقول الله عز وجل:"أنا الله مالك الملوك قلوب الملوك بيدي من أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم". وأخرج الإمام أحمد في كتاب الزهد عن قتادة قال رُوي أن يونس عليه السلام قال يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض فما علامة رضاك من سخطك قال: إن استعملت عليكم خياركم فهذا علامة رضائي عليكم وإذا استعملت عليكم شراركم فهو علامة سخطي عليكم"."
لذلك أيها الأخوة: من أوجب الواجبات في هذا الزمان هو تغير المنكر الأكبر والذي يتمثل في إقصاء القرآن عن منصة الحكم كما يجب على الأمة ألا تسمح لهؤلاء الظلمة والفجار أن يحكموها ، عليها أن تختار الأبرار. وقد قيل للفاروق عمر t أتخرب القرى وهي عامرة قال إذا علا فجارها على أبرارها.
أيها الأخوة المصلون:
بعد يوم غدٍ فلسطين ستكون على موعدٍ مع الانتخابات ، انتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية هذه الانتخابات التي تُعدُ إنجازًا لهذا الشعب حيث من حق كل فلسطيني بالغ عاقل أن يشارك في اختيار ممثليه وهنا يتساءل بعض الناس وفي ظل التنافس الشديد في هذه الانتخابات حيث يتنافس على هذا المنصب سبعة من المرشحين، يتساءل البعض من نختار من ننتخب؟؟
ونحن بدورنا يجب علينا أن نبين حيث أخذ الله علينا الميثاق أن نبين"لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ"كما أوجب علينا رسولنا الأعظم عليه الصلاة والسلام أن ننصح لكل مسلم، فقال:"الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله قال: لله ولرسوله ولكتابه وللأئمة المسلمين وعامتهم".
وللجواب على هذا السؤال نقول:
من الرئيس الذي نريد ؟ من الرئيس الذي يَحلُمُ به كل فلسطينيي مسلم ؟
مما لا شك فيه أيها الأخوة أننا شعب مسلم لذا.. نريد الرئيسَ المسلم العاقل، صاحب العقل التام الناضج العالم العارف بربه كما قال تعالى في وصف طالوت:"وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ".
نريد الرئيس المسلم العالم بأمور دينه ودنياه، الفقيه القارئ للقرآن، نعم الفقيه، هكذا كان حكام الأمة في الماضي كان فقهاء علماء.
نريد الرئيس المسلم القدوة لرعيته وشعبه، السليم من أسباب الفسق وخوارم المروءة.
نريد الرئيس الذي يَغار على حرمات الله سبحانه وتعالى الذي يحرص أن تسود كلَ مظاهر الإسلام ،الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أما الرجل الذي يحمل الثقافة العلمانية الغربية ولا يهمه الدين من قريب ولا بعيد الذي يأذن للمنكرات والفواحش كالربا والزنا والتبرج وصالات القمار والخمر والدعارة أن تشيع في المجتمعات. فأمثال هؤلاء لا يصلحون لقيادة الشعب، ولا يجوز لمسلم موحد يصلي معنا هذه الصلاة أن يؤيده ويُصوتُ له وإلا فهو معه في الإثم سواء.
أيها الأخوة الكرام: كما نريد الرئيس العادل الذي يحترم شعبه، يحترم الإنسان ويضمن قضاءً عادلًا.
نريد الرئيس الذي يضع حدًا لعربدة الأجهزة الأمنية، نريد رئيسًا يضع حدًا لممارسة اللصوص الذين يسرقوا مقدرات الشعب وأمواله.
لذا لا يجوز لنا بحال من الأحوال أن نؤيد ظالمًا أو جلادًا أو لصًا كما أنه لا يليق بهذا الشعب الذي تجرع مرارة الظلم والألم على مدى عشر سنوات خلت أن يسمح أو يأذن لشخص ظالم أو شارك في الظلم أن يحكم هذا الشعب.
كما نريد الرئيس الذي يشارك شعبه أحساسيسهم ومشاعرهم يشعر بشعورهم، يجوع إذا جاعوا ويتألم إذا تألموا. أما الشخص الذي يستغل هذا المنصب لجمع المال والاكتناز وبناء القصور بينما شعبه يعيش كأهل القبور، فهذا لا يصلح أن يكون رئيسًا ولا يجوز لنا أن نعطيه الفرصة ليصل إلى هذا المنصب كما نريد الرئيس الذي يضع حدًا للمحسوبيات والواسطات، نريد الرئيس الذي يمثل الشعب كل الشعب لا فئة أو حزبًا أو تنظيمًا فقط نريد الرئيس الذي يعطي الفرصة لتولي المناصب حسب الكفاءة بعيدًا عن الاعتبارات الحزبية والتنظيمة.
كما نريد الرئيس الذي يحفظ الدين ويقيم الحدود ويحمي بيضة المسلم ويذود عن الحرمات والأوطان.
كما نريد الرئيس الرجل، نعم نريده رجلًا من الوعول لا من التحوت نريده شجاعًا قويًا يقدم مصلحة شعبه على المصالح الشخصية والحزبية.
نريد رئيسًا رجلًا لا يخاف إلا الله، لا يخاف من الصهاينة والأمريكان يقاتل في سبيل الله إذا وجب القتال.
نريد رئيسًا رجلا"كطالوت"عليه السلام الذي ذكره سبحانه في القرآن وقال"وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ"قوة العقل والإرادة وقوة الجسم، طالوت كان قويًا في عقله وجسمه، لذا قاتل في سبيل الله ففتح الله عليه.
نريد رئيسًا يتسلح بإرادة الله أولًا ثم بإرادة شعبه ثانيًا، أما أن يمثلنا شخص جبان يقدم المصالح الشخصية على مصالح شعبه! أما أن يمثلنا شخص جبان يخشى أمريكا أكثر من خشيته لله ويقدم إرادتها على إرادة شعبه. أما أن يمثلنا شخص جبان يخاف من القتال في سبيل الله ويَسخرُ من المقاومة والمجاهدين فهذا لا يليق بهذا الشعب.
أيها الأخوة المسلمون، أيها المرابطون، أيها المستضعفون:
هذا هو الرئيس الذي نريد، من توفرت فيه هذه الصفات، فإن وجدتموه فبادروا إلى انتخابه ولا تتروددوا في ذلك وإن لم تجدوه فاجلسوا في بيوتكم فهو خير لكم.
كما نحذر أيها الأخوة من الاغترار ببعض الشعارات البراقة الخداعة التي ترفع هنا وهناك، أو الاغترار ببعض الأشخاص فالأصل أن نحاكم الناس بأعمالهم لا بأقوالهم وشعاراتهم التي يرفعونا، وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله:"إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء فلا تصدقوه حتى تعرضوه على كتاب الله سبحانه".
فقولوا لي بالله عليكم ما الفائدة أن يحفظ شخص القرآن أو يحج البيت العتيق أو يحافظ على الصلوات الخمس في المسجد، وفي نفس الوقت ثقافته غربية، فلا يرى بأسًا في السفور والتبرج أو الربا أو مشاركة غير المسلمين في طقوسهم الدينية ويرى كل ذلك نمطًا من أنماط التحضر.
فأمثال هؤلاء كمثل الحمار يحمل أسفارًا أو كمثل الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فهو كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث.
لذلك أيها الأخوة: فلنتق الله سبحانه وتعالى في أنفسنا ولنعلم أن صوتنا أمانة والله سبحانه وتعالى يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها.
أخرج الإمام الطبراني في معجمه الأوسط من حديث أبي هريرة t قال:"من أشراط الساعة أن يظهر الشح والفحش ويؤتمن الخائن ويخون الأمين وتظهر نساء كاسيات عاريات ويعلوا التحوتُ الوعولَ، أكذاك يا"
عبد الله بن مسعود سمعته من في رسول الله e ؟ قال: نعم ورب الكعبة. قلنا: وما التحوت؟ قال:"فسول الرجال وأهل البيوت الغامضة يُرفعون فوق صالحهم والوعول أهل البيوت الصالحة".
الخطبة الثانية:
الحمد لله غافر الذنب قابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير وأصلي وأسلم على الهادي البشير المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
وبعد:
أيها الأخوة:جاء في الخبر:"إن لله في دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها"بعد أيام أيها الأخوة تبدأ العشر الأوائل من ذي الحجة وهذه أيام فضيلة قد أقسم الله بها في كتابه العزيز"وَالْفَجْرِ ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ"قال بعض المفسرين أن المقصود بهذه الليال العشر أنها الأوائل من ذي الحجة وقيل أنها العشر الأواخر من رمضان، وقد ذهب بعض العلماء كما نقل ابن القيم رحمه الله في زاده أن نهار العشر الأوائل من ذي الحجة أفضل من نهار العشر الأواخر من رمضان وليل العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليل العشر الأوائل من ذي الحجة.
وقد أخرج البخاري ومسلم في فضل هذه الأيام من حديث ابن عباس:"ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلًا خرج بماله ونفسه ولم يرجع من ذلك بشيء".
كما نُذكِّر الأخوة الذين يريدون التضحية ألا يأخذوا شيئًا من شعرهم وأظفارهم وذلك تشبهًا بالأخوة الحجاج المحرمين الذين يحظر عليهم ذلك فعند الإمام مسلم من حديث أم سلمة أن النبي e قال"إذا دخل العشر -يعني الأوائل من ذي الحجة- وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي".
وقد حمل الإمام أحمد t الحديث على الوجوب بخلاف غيره من الفقهاء الذين حملوا الأمر على الندب والاستحباب.
أيها الأخوة الكرام وقبل أن أترك مكاني هذا أحذر ولا سيما أبناءنا الطلاب وأولياء أمورهم من منظمة أمريكية تعمل في المنطقة وهي منظمة بذور السلام، هذه المنظمة يرأسها مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأمريكية وهو"آلان ميلر"وتهدف هذه المنظمة إلى نشر ثقافة التطبيع مع العدو الصهيوني وتركز في ذلك على الطلاب المراهقين وتختار من بيهنم الأوائل وتعقد لهم مخيمات صيفية لمدة ثلاثة أسابيع في الولايات المتحدة الأمريكية يجتمع فيها طلاب من عدة دول ومن بينها دولة العدو حيث تسود فيها حرية الاختلاط بين الجنسين دون قيود ويلتقي هؤلاء الطلاب بكبار المسؤولين في البيت الأبيض لذا أيها الأخوة نحذر من التعامل مع هذه المنظمة ونطالب وزارة التربية والتعليم بمقاطعة هذه المؤسسة وعدم التنسيق معها مطلقًا كما نذكر الأخوة المدرسين بواجبهم الديني والذي يتمثل في تحذير الطلاب من ذلك وتبصيرهم بخطورة التعامل مع هذه المنظمة.
أسأل الله سبحانه وتعالى ان يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنة.