فهرس الكتاب

الصفحة 5873 من 9788

إسم الخطيب: محمد عبدالله السبيل

تاريخ الخطبة: 7/6/1423

ملخص الخطبة

1-أمر الله سبحانه عبادَه المؤمنين بالتقوى. 2- حقيقة التقوى. 3- نتائج التقوى. 4- وجوب التقوى في جميع الأحوال. 5- لا تجتمع التقوى مع فعل المنكرات. 6- التحذير من الظلم والخيانة وأكل أموال الناس بالباطل. 7- نصيحة عامة.

الخطبة الأولى

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى وراقبوه في سرِّكم وعلنكم؛ فإن الله أمركم بأن تتقوه في أعمالكم وأقوالكم وأفعالكم، وقد وعدكم سبحانه على ذلك صلاحَ أعمالكم، ومغفرةَ ذنوبكم في الدنيا، وحصولَ الفوز العظيم والفضل الجسيم في الأخرى، يقول سبحانه وتعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـ?لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70، 71] .

ففي هذه الآية الكريمة يأمر الله عباده المؤمنين بأن يتقوه في جميع أحوالهم، يتقوه في أقوالهم وأعمالهم، وذلك بتحقيق الامتثال لأوامره سبحانه، وأدائها على وجهها كما أرادها سبحانه منهم، والبُعدِ عمَّا نهاهم عنه من المحرَّمات من الأقوال والأفعال.

فبتحقيق التقوى يحصل للمؤمن كلُّ خير في دينه ودنياه، ويزول عنه كلُّ شرٍّ في عاجله وآجله، فمن استقام على التقوى ولزم في منطقه القولَ السديد هداه الله إلى الطيب من القول، ووفقه إلى صراطه الحميد. من اتقى الله واستعمل لسانَه بالكلم الطيب من تلاوة القرآن وذكر الله عز وجل، والتوبة والاستغفار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحفظ لسانَه عمَّا حرَّم الله عليه، فكفَّ عن أعراض الناس، وعن فاحش القول وسيِّئه، يسَّره الله لليسرى، وجنّبه العسرى، ورزقه الحسنى، وأمَّنه في الآخرة والأولى، وَمَن يَتَّقِ ?للَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4] .

عبادَ الله، إن التقوى واجبةٌ على العبد في جميع أحواله، في سرِّه وعلنه، في دينه ودنياه، في معاملته مع ربه، في معاملته مع أهله وأقاربه وجيرانه، في معاملته في بيعه وشرائه، في مواعيده ومواثيقه، في عمله ووظيفته وما اؤتُمن عليه، مؤدِّيًا حقوق الله سبحانه وتعالى، مؤدِّيًا حقوقَ عباد الله، ناصحًا لهم، صادقًا في أقواله، مؤتمَنًا في معاملاته، بعيدًا عن الغش والخداع. والمكر والحيلة، والتدليس والخيانة، متجنِّبًا الأيمان الكاذبة وقول الزور وشهادة الزور. إذا لم يكن المسلم كذلك فأين التقوى؟! وأين الإيمان الحقيقي؟! والنبي يقول: (( المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) ) [1] .

كيف يكون مِن المتقين مَن أهمل فرائضَ الله وضيَّعها، وتجرَّأ على محارم ربِّه وانتهكها، وأطلق لسانَه في أعراض عباد الله المؤمنين، ومشى بالنميمة، واتَّصف بالكذب، وارتكب الآثام؟! كيف يكون متَّقيًا من تجرَّأ على أكل أموال الناس بالباطل، وأكلِ الربا، وعامَل الناس بالغش والخداع، وبخسِ المكاييل والموازين؟! كيف يكون متقيًا من يخون أماناتِه التي اؤتُمن عليها من ولاية أو عملٍ أو مال أو غير ذلك من الأمور التي جُعِل مؤتمَنًا عليها؟!

لقد ابتُلي كثيرٌ من الناس اليوم بالخيانة وعدم الأمانة، إنْ كان عليه حق لم يؤدِّه كاملًا، أو كُلِّف بعمل لم يقم بأدائه على وجهه، وإن كان حقًا للناس تبرّم منه، وماطلهم بحقوقهم، وربما لم يؤدِّ الحقَّ لصاحبه إلا باقتطاع جزءٍ منه، أو الاستيلاء على بعضه، أو أخذ عِوضٍ عليه، أليست هذه خيانةً لعمله؟! أليس هذا العمل بعيدًا عن التقوى؟! أليس هذا من الظلم الذي هو ظلمات يوم القيامة؟!

إن الظلم يخرِّب البيوت العامرة، ويدمِّر الديارَ الناضرة، ويبدّل حال الظالمين من هناء ورخاء إلى بلاء وشقاء، أو يذيقهم من العذاب ما لم يكونوا يحتسبون، كما قال عز وجل: فَبِظُلْمٍ مّنَ ?لَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـ?تٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ ?للَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ ?لرّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْو?لَ ?لنَّاسِ بِ?لْبَـ?طِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـ?فِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:160، 161] .

إن أكلَ أموال الناس بالباطل وظلمَهم وبخسَ حقوقهم من طبيعة اللئام وضعفاء النفوس والإيمان، كيف بالمجترئ على حقوق العباد وظلمهم إذا قيل له يوم القيامة: رُدَّ المظالمَ إلى أربابها والحقوقَ إلى أصحابها؟! ليتذكَّرْ ذلك الموقفَ العظيم يومَ يقوم الناس لرب العالمين، وليتذكَّر قولَ النبي الكريم الناصحِ الأمين إذ قال لأصحابه: (( أتدرون من المفلس؟ ) )قالوا: المفلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: (( إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دمَ هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذه من حسناتِه، وهذا من حسناتِه، فإن فنيت حسناتُه قبل أن يُقضى ما عليه، أخِذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار ) ) [2] .

فاتقوا الله أيها المسلمون، واجعلوا خوفَ الله نصبَ أعينكم، واحذروا سخطَه وعقوبته، فقد قال عز وجل: وَكَذ?لِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ ?لْقُرَى? وَهِىَ ظَـ?لِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ إِنَّ فِى ذ?لِكَ لآيَةً لّمَنْ خَافَ عَذَابَ ?لآخِرَةِ ذ?لِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ?لنَّاسُ وَذ?لِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ [هود:102، 103] .

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه سبحانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، وراقبوه في سرِّكم وعلانيتكم، واحذروا المعاصي والآثام وظلمَ العباد، وابتعدوا عن مظاهر الجبروت والكبرياء والانتقام والاعتداء والشر والفساد والإضرار بالناس، وعاملوا العبادَ بما تحبُّون أن يعاملوكم به من العدل والشفقة والرحمة؛ فإن الجزاء من جنس العمل، إن الله سبحانه وتعالى يقول: إِنَّ ?للَّهَ مَعَ ?لَّذِينَ ?تَّقَواْ وَّ?لَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ [النحل:128] .

بادروا ـ رحمكم الله ـ بالتوبة والاستغفار قبل أَن تَقُولَ نَفْسٌ ي?حَسْرَتَى? عَلَى? مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ?للَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ?لسَّـ?خِرِينَ [الزمر:56] ، وقد قال: (( من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلَّلْه منه اليوم من قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه ) ) [1] .

فاتقوا الله عباد الله، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.

وصلوا وسلموا على النبي المجتبى والرسول الهادي ، فقد أمركم الله تعالى بذلك فقال سبحانه وتعالى قولًا كريمًا: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد أزكى البرية أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت