عنوان الخطبة
اسم الخطيب
علي بن عبد الله النمي
رقم الخطيب
رقم الخطبة
اسم المسجد
خبيب بن عدي رضي الله عنه
تاريخ الخطبة
ملخص الخطبة
1-تفاخر العرب في الجاهلية بحسن الجوار 2- وصاة النبي صلى الله عليه وسلم بالجار 3- صور من الإساءة للجيران وعاقبتها 4- صور من بر الجار
الخطبة الأولى
أما بعد:
عباد الله: إن الإسلام أوجب بين الناس التعاون والإحسان، وحرم الأذى والعدوان، وأقام العلائق بين الخلائق، ورغبهم في الحب والإخاء، والتراحم والوفاء.
ولهذا أوصى الإسلام الجار، فأمر بالإحسان إليه، وأكد حقه وحذر من إيذائه وقهره.
ولقد كان العرب في الجاهلية والإسلام يحمون الذمار، ويتفاخرون بحسن الجوار، وعلى قدر الجار يكون ثمن الدار.
اطلب لنفسك جيرانًا تجاورهم لا تصلح الدار حتى يصلح الجار
نعم والله إن الدار لا تصلح حتى يصلح الجار:
يلومونني أن بعت بالرخص منزلي ولم يعرفوا جارًا هناك ينغص
فقلت لهم كفوا الملام فإنها بجيرانها تغلوا الديار وترخص
فاختيار الجار يكون قبل شراء الدار.
وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذا قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة [التحريم:11] .
اختارت الجار قبل الدار.
يقولون قبل الدار جار مجاور وقبل الطريق النهج أنس رفيق
إن الجار الصالح أخو لك لم تلده أمك، يذب عن عرضك، ويعرف معروفك، ويكتم عيوبك، ويفرح إذا فرحت، ويتألم إذا حزنت.
وصدق رسول الله إذ يقول: (( أربع من السعادة وذكر منها الجار الصالح ) )، ثم قال: (( أربع من الشقاوة: وذكر منها الجار السوء ) )، رواه ابن حبان في صحيحه [1] ، وكان رسول الله ، يتعوذ من جار السوء فيقول: (( اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول ) )، رواه ابن حبان في صحيحه [2] .
ولم أر مثل الجهل يدعو إلى الردى ولا مثل جار السوء يكره جانبه
أيها المسلمون: يقول النبي: (( خير الجيران عند الله خيرهم لجاره ) )، صححه ابن خزيمة وابن حبان [3] .
جاورت شيبان فاحلولي جوارهم إن الكرام خيار الناس للجار
إن للجار على جاره حقوق عظيمة، أوصى الله بها في كتابه، وعلى لسان نبيه: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب [النساء:36] .
فاتق الله - يا عبد الله - في جارك ذو الرحم القريب، وجارك المسلم الغريب.
نزلت على آل المهلب شاتيًا غريبًا عن الأوطان في زمن محل
فما زال بي إكرامهم وافتقارهم وبرهم حتى حسبتهم أهلي
يقول النبي: (( ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه ) )، متفق عليه [4] .
الله الله - عباد الله - ارعوا حق الجيرة، وأحسنوا مع جيرانكم السيرة، فو الله إن أذية الجار لموجبة للنار.
أقسم النبي - - ثلاثًا: (( والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن ) )، قيل: من يا رسول الله؟ قال: (( الذي لا يأمن جاره بوائقه ) )، يعني شروره متفق عليه [5] .
وفي رواية لمسلم: (( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ) ).
إن الأمر ليس كما تتوقعون، ولا كما تحسبون وتحسبونه هينًا وهو عند عظيم .
روي عن أنس أن النبي قال: (( من آذى جاره فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ) ) [6] .
اختر ما شئت - أيها الجار - الجنة أو النار.
روى أبو هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله! إن فلانة تذكر من كثرة صلاتها، وصدقتها، وصيامها. وفي رواية تصوم النهار، وتقوم الليل، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: (( هي في النار ) )، وقال: إن فلانة تذكر من قلة صيامها، وصلاتها، وإنها تتصدق بالأثوار من الأقط، ولا تؤذي جيرانها، قال: (( هي في الجنة ) )رواه أحمد [7] .
أقول لجاري إذا أتاني معاتبا مدلا بحق أو مدلًا بباطل
إذا لم يصل خيري وأنت مجاوري إليك فما شري إليك بواصل
اتقوا الله - أيها المسلمون - واعلموا أن أذية الجار، موجبة للنار، وعند الله تجتمع الخصوم.
روى عقبة بن عامر أن النبي قال: (( أول خصمين يوم القيامة جاران ) )رواه أحمد [8] .
فكيف بك أيها المسكين حين تقف بين يدي رب العالمين وجارك يقول: يا رب! إن جاري هذا لم يرع حق الجيرة، ولم يحسن معي السيرة، آذاني بعينه ينظرإلى محارمي، آذاني بسمعه يتسلط على أسراري، آذاني بلسانه يتفكه بمعايبي.
إن المؤمن من أمنه الناس، وإن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
قال أبو حازم: كان أهل الجاهلية أحسن منكم جوارًا، فإن قلتم: لا، فبيننا وبينكم قول شاعرهم:
ناري ونار الجار واحدة وإليه قبلي تنزل القدر
ما ضر جارًا لي أجاوره ألا يكون لبيته ستر
أعمى إذا جارتي برزت حتى يواري جارتي الخدر
وإن من حق جارك عليك، إن مرض عدته، وإن مات شيعته وإن استقرضك وأنت قادر أقرضته، وإن أعوز سترته، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزيته، ولا ترفع بناءك على بنائه تؤذيه.
وإذا رأيته على منكر نهيته، وإذا رأيته على معروف أعنته، فلربما تعلق برقبتك يوم القيامة، يقول: يا رب رآني على منكر فلم يأمرني ولم ينهني.
ولقد ابتلينا في هذا الزمان، بالإعراض عن الجار، فكثير من الأحياء، الجار فيها لا يعرف شيئا عن جاره، بل لا يعرف اسمه، ولا بلده، ولا غناه ولا فقره.
وواجب المسلم تجاه جاره أن يتحسس حاله، فإن رآه على خير أعانه، وإن رآه معوجًا أقامه. كما عليه أن يتفقد حاله ومعاشه فإن النبي قال: (( ما آمن من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهم يعلم ) )رواه الطبراني [9] .
وكيف يسيغ المرء زادًا وجاره خفيف المعى بادي الخصاصة والجهد
وليتق الله - عز وجل - كل جار بينه وبين جاره قطيعة وضغينة .
يقول النبي: (( لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ) )متفق عليه [10] .
وليتق الله - عز وجل - أهل الدور والزروع لا يعتدي بعضهم على بعض، وليرعوا حق الجيرة.
روى الإمام أحمد: عن أبي مالك أن النبي قال: (( أعظم الغلول عند الله - عز وجل - ذراع من الأرض تجدون الرجلين جارين في الأرض أو في الدار فيقتطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعًا ) ).
إذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين إلى يوم القيامة [11] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] تحت رقم: ( 4032) الإحسان ، الخطيب البغدادي في التاريخ: 12/99 ، وأبو نعيم في الحلية: 8/388 ، وعزاه في كشف الخفاء: 1/116 للحاكم والبيهقي.
[2] تحت رقم: (1033) الإحسان ، وأخرجه النسائي: 8/274 ، وأحمد"2/346 ، والبخاري في الأذب المفرد: 117 ، والحاكم: 2/532 ، وصححه ووافقه الذهبي ، وحسنه الألباني في صحيح الأدب: 86."
[3] الترمذي: 1944 ، وأحمد: 2/167 ، والبخاري في الأدب المفرد: 115 ، والدارمي: 2/215 ، والحاكم: 1/443 ، وابن حبان: 518 الإحسان ، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق: 329 ، وابن خزيمة: 2539 ، وسعيد بن منصور: 2388 ، والطحاوي في المشكل: 4/31 ، والشجري: 2/139 ، والخطيب في تاريخه: 12/28 ، وابن جرير كما في الدار: 2/532. وقال الترمذي: حسن غريب ، وصححه الحاكم ، والذهبي ، والألباني في صحيح الأدب المفرد:84.
[4] البخاري: 6014 ، ومسلم: 2624 ، وأحمد:6/238 ، وأبو داود: 51/5 ، والترمذي: 1942 ، وابن ماجة: 3673 ، وابن أبي شيبة: 8/545 ، والبيهقي في الكيري: 7/27 ، والأدب المفرد للبخاري: 101 ، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق: 321 ، وابن حبان: 511 الإحسان ، وأبو نعيم في الحلية: 3/307.
[5] البخاري: 10/370 ، ومسلم: 46.
[6] عزاه المنذري في الترغيب: 3/234 لأبي الشيخ ابن حبان في كتاب (التوبيخ) وضعفه.
[7] قال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/169) : رواه أحمد والبزار ، ورجاله ثقات.
[8] قال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/80) : رواه أحمد والطبراني بنحوه ، وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح ، غير أبي عشانة ، وهو ثقة.
[9] قال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/167) : رواه الطبراني والبزار ، وإسناد البزار حسن.
[10] البخاري: 10/401 ، ومسلم: 2559.
[11] قال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/175) : رواه أحمد ، والطبراني في الكبير ، وإسناده حسن.
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد:
عباد الله: إن حدود الجيرة لا تقتصر على من كان جدارك بجداره، بل تمتد يمينًا وشمالًا.
قال الأوزاعي وابن شهاب: أربعون دارًا من كل ناحية، وقال علي بن أبي طالب: من سمع النداء فهو الجار.
وإن المطلوب من أهل الحي أن يتزاوروا فيما بينهم؛ ليتعارفوا وتتآلف قلوبهم.
صح عن النبي أنه قال: (( أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم ) )رواه مسلم [1] .
ومن الآداب الإسلامية: تبادل الهدية، والعطية، فإنها ترقق القلوب، وتذهب الغل.
كما قال النبي: (( تهادوا تحابوا ) ) [2] ، وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله: (( يا أبا ذر إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك ) ) [3] .
قدري وقدر الجار واحدة وإليه قبلي ترفع القدر
وعلى الجار أن يتصف بالعفو و التسامح مع جيرانه، ويسعى إلى نفعهم، وكف الأذى عنهم.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي قال: (( لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره ) ) [4] .
والجار المسلم يبادل جاره الصبر والاحتساب قال: (( إن الله - عز وجل - يحب ثلاثة: وذكر منهم رجل كان له جار سوء يؤذيه فيصبر على أذاه حتى يكفيه الله إياه بحياة أو موت ) )رواه أحمد[5.
وكان يقول: ليس حسن الجوار ترك الأذى، ولكنه الصبر على الأذى.
[1] مسلم: 54 ، وأبو داود: 5193 ، والترمذي: 2689.
[2] من حديث أبي هريرة ، البخاري في الأدب المفرد: 594 ، والدولابي في الكنى: 2/7 ، وابن عدي: 2/204 ، وابن عساكر: 17/207/2 ، وتمام في الفوائد: 2/246 ، وعزاه في نصب الراية: 4/120 للنسائي في كتابه الكنى ، وأبي يعلى الموصلي في مسنده ، والبيهقي في شعب الإيمان ، وراجع طقه هناك ، وقال ابن حجر في التلخيص (1315) : إسناده حسن.
[3] مسلم: 142.
[4] البخاري: 5/79 ، ومسلم: 1609 ، وأبو داود: 3634 ، والترمذي: 1353 ، ومالك: 2/745.
[5] قال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/171) : رواه أحمد والطبراني ، وإسناد الطبراني وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح.