وخطب الحجاج يوما فقال أيها الناس قد أصبحتم في أجل منقوص وعمل محفوظ رب دائب مضيع وساع لغيره والموت في أعناقكم والنار بين أيديكم والجنة أمامكم خذوا من أنفسكم لأنفسكم ومن غناكم لفقركم ومما في أيديكم لما بين أيديكم فكأن ما قد مضي من الدنيا لم يكن وكأن الأموات لم يكونوا أحياء وكل ما ترونه فإنه ذاهب هذه شمس عاد وثمود وقرون كثيرة بين ذلك هذه الشمس التي طلعت على التبابعة والأكاسرة وخزائنهم السائرة بين أيديهم وقصورهم المشيدة ثم طلعت على قبورهم أين الملوك الأولون أين الجبابرة المتكبرون المحاسب الله والصراط منصوب وجهنم تزفر وتتوقد وأهل الجنة ينعمون في روضة يحبرون جعلنا الله وإياكم من الذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا فكان الحسن البصري رحمه الله يقول ألا تعجبون من هذا الفاجر يرقى عتبات المنبر فيتكلم بكلام الأنبياء وينزل فيفتك فتك الجبارين يوافق الله في قوله ويخالفه في فعله وقال مالك بن دينار غدوت إلى الجمعة فجلست قريبا من المنبر فصعد الحجاج ثم قال امرؤ حاسب نفسه امرؤ راقب ربه امرؤ زور عمله امرؤ فكر فيما يقرؤه غدا في صحيفته ويراه في ميزانه امرؤ كان عند همه آمرا وعند هواه زاجرا امرؤ أخذ بعنان قلبه كما يأخذ الرجل بخطام جمله فإن قاده إلى حق تبعه وإن قاده إلى معصية الله كفه إننا والله ما خلقنا للفناء وإنما خلقنا للبقاء وإنما ننتقل من دار إلى دار وخطب يوما فقال أيها الناس اٌقدعوا هذه الأنفس فإنها أسأل شيء إذا أعطيت وأعصى شيء إذا سئلت فرحم الله امرأ جعل لنفسه خطاما وزماما فقادها بخطامها إلى طاعة الله وعطفها بزمامها عن مصية الله فإني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله وخطب فقال اللهم أرني الغي غيا فأجتنبه وأرني الهدى هدى فأتبعه ولا تكلني إلي نفسي فأضل ضلالا بعيدا والله ما أحب أن ما مضي من الدنيا لي بعمامتي هذه ولما بقي منها أشبه بما مضى من