حقيقية الإرهاب
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأخوة في الله: هل توقف الأعداء عن حرب الإسلام ؟ هل تقاعست هممهم في المكيدة لأمة الإسلام ؟ هل ضعفت عزائمهم ؟ هل فترت قواهم ؟ هل توقفت عقولهم في ابتكار حيل جديدة ..وأساليب حديثة ..لضرب الإسلام ..والقضاء على المسلمين ؟ كلا ..كلا ..فهم على قدم وساق ..ويعملون ليل نهار ..للقضاء على العملاق النائم حتى لا يستفيق ..ومن أساليبهم في القضاء على المسلمين عامة ..والمتمسكين بمنهاج النبوة خاصة التلاعب بالمصطلحات ..فهناك الكثير من المصطلحات التي تثار في وسائل الإعلام لا تفهم على المفهوم الشرعي ..ومن تلك المصطلحات ..مصطلح الإرهاب ..الذي أعلن العالم الحرب عليه ..واقتلاع جذوره ، ونسف قواعده ..وإنك لتعجب أشد العجب من إجماع العالم على حربه ..مع عدم امتلاك أي من هذه الدول ..تعريفا واضحا ومقبولا لهذا المصطلح ..حتى ذكر أحد الكتاب مائة تعريف لهذه الكلمة من قبل المتخصصين .. والسؤال الذي يطرح نفسه بنفسه ..: ألا تستطيع هذه الدول أن تقلل من غموض هذا المصطلح وتظفر بتعريف أكثر دقة وقبولًا وأقرب إلى تحقيق العدل والإنصاف؟
بلى! تستطيع... ولكنهم يهدفون ..إلى ممارسة الإذلال والاضطهاد لأعدائهم .. من خلال المصطلح ذاته ، فأصبحت هذه الدول لا تتكلف إذا أرادت أن تقضي على أعدائها (أيًا كانوا: شخصًا، جماعةً، حزبًا، نظامًا، شعبًا) أكثر من أن تشير ببنانها إلى هذا العدو واصمة إياه بالإرهاب؛ لتنطلق بعد ذلك نحوه بخيلها ورجلها ..جيوش العالم التي سبق تجييشها ضد (الإرهاب) دونما تروٍ ولا تثبت، بل حتى ولا سماعٍ لشاهد آخر!!
إنهم يهدفون من خلاله إلى صد الجماهير عن المصلحين الناصحين ..وذلك بواسطة الإعلام الذي يخدر الشعوب ويقلب الحقائق ويفرق بين القلوب؛ فهو السحر الحديث الذي أفرزه الفكر الغربي، وهو المصيدة التي يمكن أن تؤدي الدور بالوجه المطلوب بعد أن ترفع راية الإرهاب وتلوِّح بها وتنادي الجميع للمشاركة في زوبعتها ليجعلوها دعوى يطعنون من خلالها في الدعوة الإسلامية،ومعولًا يضربون به حصونها، وسيفًا مصلتًا على رقاب الدعاة والمخلصين،وتهمة جاهزة تطرح على المجاهدين الصادقين.
إن هذا المصطلح ـ أعني الإرهاب ـ مصطلح مخيف يهز قلوب الجبناء ويسيطر على أفئدة ضعفاء العقول؛ لأنه لفظ يوحي بالنفرة والوحشية لسامعه ومن خلال وصم الدعاة بهذا اللقب يمكن الطعن في الجهاد الإسلامي والتشكيك في حكمته.
ويهتبل الإعلام الكاذب والمزور للحقائق فرصة كل حركة نشاز وكل حادث شاذ يقع من بعض الجهلة أو المتعجلين من المسلمين ـ أو من غير المسلمين أحيانًا ـ فيضخمه ويستغل الحدث اليسير أبشع استغلال، من أجل الكيد للدعوة ودعاة الإسلام وشن الهجوم الكاسح عليهم والطعن في نياتهم؛ حيث يتهم دعاة المسلمين زورًا وبهتانًا وظلمًا وعدوانًا بأنهم وراء كل عمل إجرامي وكل حادث تخريبي يحدث في أي مكان من الأرض حتى تثبت براءتهم إن كان لذلك من سبيل.
لقد جعل الأعداء شبح هذا المصطلح يطارد كل مسلم مستقيم يحافظ على أصول دينه أو يفكر في الدعوة إليه، وجعلوا هذا المصطلح مرادفًا للتعصب المذموم والتشدد في الدين والغلو والتنطع والبعد عن حقيقة الإسلام وصفائه، واتهموا من وصموهم بهذا المصطلح بكره الشعوب وعامة الناس والانتقام من المصالح العامة وتدمير مقدرات الأمة والعبث بها.
أيها الأخوة في الله: وبعد أن عرفنا هذه التهمة المعلبة الجاهزة ..لننتقل إلى صورة أخرى لنرى نوعا من الممارسات والسياسات للدول ذات النفوذ في المنطقة ..ونسأل أذلك من الإرهاب أم لا ؟
فماذا يقال عن قتل الأبرياء في مسجد الخليل ، وتبييتهم وهم ركعٌ سجدٌ لله ..والمذبحة التي حصلت في دير ياسين ..حيث قتلت العصابات الصهيونية أكثر من مئتين وخمسين شخصا ..منهم مائة امرأة وطفل ؟!! ومجزرة كفر قاسم ..حيث قتل أكثر من سبعة وأربعين شخصا ؟!! وماذا يقال عن المجازر التي جرت في صبرا وشاتيلا ؟!! أليس إرهابا تجويع الملايين من الأبرياء في أفغانستان..أليس إرهابا قتل أكثر من خمسمائة ألف طفل عراقي بسبب الحصار!! ويا ترى ماذا جرى في الجنوب اللبناني من القذائف والراجمات ..ولما فر المدنيون في فزع صوب الشمال،وبعضهم فر إلى معسكر قانا الذي كان من المفترض أنه مكان آمن تابع للأمم المتحدة .غير أن صواريخ وقذائف مدفعية، قصفت المعسكر وقتلت ما يقرب من مئتين امرأة وطفل وكهل.. لقد كان موقع الهجوم في قانا بحرًا من الجثث والدماء ..فماذا نسمي هذا ؟ هل نسميه إرهابا ؟
ثم هل ننسى المجازر الجماعية في البوسنة والهرسك ..هل ننسى المجازر الجماعية في كوسوفا ..وحامية السلام ..صامتة لا تتكلم ..وليت الأمر توقف عند هذا ..لهان الأمر وما هو بهين ورب الكعبة ..ولكن أن يكون هناك دعم للعدو الغاشم ..ويطالب منه بالإسراع على القضاء على الأصولية بأسرع وقت ..ويسحب السلاح من الطرف المقابل ..زيادة في الظلم والطغيان ..وهل ننسى شعب فلسطين ..الذي لا يزال يعاني من الويلات من إخوان القردة والخنازير..وقد أظهرت بلا استحياء التأييد الكامل وبكل إسفاف في الرأي العام ليهود ..والضرب بعرض الحائط بكل القيم والموازين فماذا يسمى هذا ؟ أليس قمة الإرهاب؟
ثم أليس من الإرهاب يا مسلمون ضرب مصنع كامل للأدوية بلا مبررات شرعية ؟!! وهبوا أنه كان مصنعا لنوع من الأسلحة كما زعموا ..فهل يبرر ذلك ضربه ..وهل يجوز إقامة المصانع العملاقة الحربية في مكان ويُحضر في مكان آخر ؟ وهل كتب على العرب والمسلمين تحريم الصناعات ، وهو حلٌ للغرب وحليفتهم إسرائيل ؟!! أليست من قمة الإرهاب ما حدث في"هيروشيما"وَ"ناجازاكي"وَ"فيتنام"!!
إننا نعجب والله حينما نسمع صيحات التهديد بالانتقام المدمر، ونحن نرى سفاحي صبرا وَ شاتيلا قد صاروا قادة دول ! وكل ما فعلته المحكمة الدولية هو حفظ القضية.
فأين محاربة الإرهابيين ؟!!
وسفاحوا البوسنة يحاكمون محاكمة باردة بطيئة، ربما تنقرض الأجيال ولم تصدر فيها الأحكام ؟؟ فلماذا يكيلون بمكيالين ؟!!
إنها الحرب الصليبية الجديدة لهذا القرن الجديد ..فهل نستيقظ من رقدتنا ..ونفيق من غفلتنا ..ونعرف عدونا من صديقنا ..وندرك صدقا و حقا قول الله تعالى: ] لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم[
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم
الخطبة الثانية
أيها الأخوة في الله: بقدر ما يستهين اليهود والنصارى والشيوعيون بدماء المسلمين، تراهم يقيمون الدنيا ولا يقعدونها إذا تعرض فردٌ منهم للقتل ، وكلما زاد عددُ القتلى تعاظم الأمر عندهم ..فهل دماءُ المسلمين بهذه المنزلة المهينة عند القوم ؟ وهل كُتب القتلُ علينا والسلامةُ لغيرنا ؟ إنها نوعٌ من الغطرسة والكبرياء ..لا مبرر لها إلا شعورهم الكاذب بالتميز علينا ..وقديمًا قال أسلافهم وكذبهم القرآن: ]ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون[ .
أيها الأخوة في الله: من خلال الوقائع والأحداث التي جرت تبرز عدةُ دروس ..حريٌ بالمسلمين أن يعوها ومنها:
أولًا: أن الحربَ قائمةٌ بين الإسلام وملل الكفر ..وقد صرحوا بذلك ..وأنها بداية للحرب الصليبية ..إذن لابد من الاستعداد لها والشعور الحي بأسباب الهزيمة ومقومات النصر ..ومن لم يستطيع أن يجاهد بنفسه فلا أقل أن يجاهد بماله يقول النبي r:"من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ، ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا"رواه البخاري.
ثانيا: لابد من الوعي التام بتحوير المصطلحات ..ومعرفة الهدف من تصديرها وإلصاقها بالمنتمين الصادقين للإسلام ..ولذا لا يسوغ استخدام مصطلح الإرهاب من وجهة نظري لأسباب من أهمها: أن الله (عز وجل) يقول: ] يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ وأجزم بأن الآثار السيئة ..المترتبة على إقرار هذا المصطلح واستخدامه ..أكثر وأخطر من تلك التي قد ترتبت على قول بعض المؤمنين ] رَاعِنَا[ فإننا بإقرار هذا المصطلح واستخدامه ..قد نمكّن للحاقدين من تنفيذ مخططاتهم العدوانية..وقد يفيد استخدام المصطلح دون تبيين لماهية الإرهاب المُدان من الناحية الشرعية ..بأننا نحكم على بعض الأعمال الجهادية بأنها من الإرهاب! ولقد تقرر معنى الإرهاب في كثير من الأحيان عند أولئك بأنه الإسلام! فهل نُدينه نحن بدورنا!!
والمصطلح الشرعي للإرهاب الذي جاء به القرآن قوله تعالى: ]وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ[ ولغتنا العربية لغة ثرية في كلماتها، دقيقة في معانيها، واسعة في مصطلحاتها، واضحة في لوازمها، وهي مع ذلك لغة تواكب تطورات العصر وتفي باحتياجاته..وعليه فإن المصطلحات التي يمكن استخدامها كبديل لمصطلح (الإرهاب) كثيرة في عددها ومتنوعة في أغراضها، فمنها على سبيل المثال .:العنف ـ الإجرام ـ العدوان..فهل يتفضل أصحاب الأقلام وغيرهم إلى استخدام هذا المصطلحات أم لا ؟
ثالثًا:إذا اتحد الأعداء ـ رغم خلافاتهم ـ على حرب المسلمين تحت شعارات خادعة .. أفلا يدعو ذلك المسلمين إلى اجتماع الكلمة ، وتوحيد الصفوف ، فهم بالاجتماع أحرى وأولى ، والله تعالى يأمرهم بالوحدة على شرع الله تعالى: ] واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا [ وينهاهم عن الفرقة والاختلاف ] ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم[ .
رابعًا:ينبغي أن يعلم أن العدو اتخذ من ضعف المسلمين ..وتفككهم ..وتفرق كلمتهم .. مناخا مناسبا لكيل الضربات هنا وهناك ..وتصدير الأفكار الهزيلة في عدد من القضايا . وتلك واحدة من ضرائب الفرقة والشتات في العالم الإسلامي والعربي.
خامسًا: للإعلام دور كبير وفعال في توضيح الصورة ..دون مخادعة ..وعلى الإعلاميين كفلٌ كبير في كشف الحقائق لعامة الأمة ..وفي مثل هذه الظروف تبرز الهوية ..ويتحدد نوعُ الفكر ..ويتبين الصادقون ومن يتحملون أمانة الكلمة ، والموتورون ومن في قلوبهم مرض ، ولسانُ حالهم يقول: نخشى أن تصيبنا دائرة ..ويقول غيرهم: ]فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين[ .
وفرقٌ بين من يأوون إلى ركنٍ شديد فيتوكلون على الله ، ويستمدون النصر منه وحده ، وبين من يعلقون آمالهم على بشر لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ، ومثل هؤلاء: ]كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون [ .
سادسا: و في الأحداث الجارية إيحاءٌ ظاهر بتخوف الغرب رغم قواهم ..وإذا أخافتهم قوى صغيرة ..فماذا لو اجتمع المسلمون واتحدت كلمتهم وقواهم ؟!!
سابعًا: وعلى صعيد الواقع تنكشف الحقيقية في دعوى الغرب محاربة الإرهاب ..فإن كانوا صادقين في محاربة الإرهاب ..فقد ثبت للعالم تغطرس الصهاينة في الأراضي المحتلة ..بتدنيس المقدسات والاعتداء على حرماتها ..وقتل الأبرياء ..والاستمرار في بناء المستوطنات ..واحتضان أنواع الأسلحة الكيماوية وغيرها ..وكل ذلك من الإرهاب ..فماذا صنعت الدول الغربية ـ وفي مقدمتها أمريكا ـ لإيقاف هذا المدِّ الإرهابي الصهيوني المتنامي ؟ إنها ألعوبةٌ مكشوفة يغض الطرف فيها عن إرهاب اليهود والنصارى ، وتتركز التهم وتضخم القضايا على المسلمين وإذا كان الذئب لا يلام في عدوانه ، فالمأساة أن تروج الشائعات على بعض أبناء المسلمين .
ومع ذلك كله فعسى أن تكون هذه الأحداث موقظة للمسلمين وباعثة لهممهم وموحدة لصفوفهم ، وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا .
اللهم نج عبادك المستضعفين من المؤمنين في كل مكان ..