عنوان الخطبة
اسم الخطيب
عبد الله بن صالح القصير
ملخص الخطبة
1-خصوصيات شهر رمضان 2- حديث سلمان في خصوصيات رمضان
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله ربكم في سائر الأوقات واشكروه على ما أنعم عليكم به من مواسم الخير والبركات، وما خصكم به من أسباب الفضل وأنواع النعم السابغات، واغتنموا مرور الأوقات الشريفة والمواسم الفاضلة بعمارتها بالطاعات وترك المحرمات تفوزوا بطيب الحياة وتسعدوا بعد الممات.
عباد الله: لقد أظلكم شهر عظيم، وموسم كريم، شهر رمضان المبارك، شهر تضاعف فيه الحسنات، وتعظم فيه السيئات، وتفتح فيه أبواب الجنات، وتقفل فيه أبواب النيران، وتقبل فيه التوبة إلى الله من ذوي الآثام والسيئات، شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، فأبعد الله من أدركه شهر رمضان فلم يغفر له، ما أعظم ما باء به من الخسران! اللهم إنا نعوذ بك من الخسران يا رحيم يا رحمن، اللهم بارك لنا في بقية شعبان، وبلغنا رمضان، واجعلنا ممن يصومه ويقومه عن احتساب وإيمان، ويقوم ليلة القدر فتغفر له ذنوبه، وتصرف عنه عذاب جهنم، وتجعله من الفائزين بأعالي الجنان، وتحل عليه عظيم الرضوان.
أيها المسلمون: حدّث سلمان الفارسي مرة فقال: خطبنا رسول الله في آخر يوم من شعبان فقال: (( يا أيها الناس! قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعًا، من تطوع فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء ) )، قالوا: يا رسول الله! ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم، فقال رسول الله: (( يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن. وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار ) ).
أيها المسلمون: انظروا - رحمني الله وإياكم - كم تضمنت هذه الخطبة النبوية الجليلة التي هي من جوامع كلمه وقد أوتي جوامع الكلم، حيث نبه المؤمنين على فضائل هذا الشهر المبارك، وندبهم فيها إلى العمل الصالح المبرور الذي وعد الله عليه بكريم الجزاء وأفضل الأجور، فكم اشتملت عليه من البشارة العظيمة بالعطايا الكريمة:
الأولى: أن العمل الصالح في ليلة القدر يثاب عليه الإنسان ثوابًا لا يناله بعبادة عمر طويل من أطول أعمار الرجال، إذ يجاوز ثمانين سنة، فضلا من ذي الكرم والجلال.
الثانية: أن ثواب خصلة الخير فيه من نوافل الطاعات يعدل ثواب الفريضة فيما سواه من الأوقات. فهنيئًا لذوي الهمم العاليات المسابقين إلى الخيرات.
الثالثة: أن ثواب الفريضة فيه يضاعف، حتى أن الإنسان يثاب على الفريضة فيه ثواب سبعين فريضة فيما سواه. فابشروا يا عباد الله.
الرابعة: أنه شهر الصبر، يتحقق فيه للمؤمن الصبر بأنواعه الثلاثة: الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على الأقدار المؤلمة، والصبر على الأهواء المضلة. والصبر ثوابه الجنة، قال تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر:10] .
فإذا كان المحسن يثاب على إحسانه في سائر الأوقات الحسنة بعشر أوقاتها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فإن المحسن في رمضان يثاب على إحسانه بغير حساب، فما يعطيه الله فيه من الخير لا يدخل تحت عدّ ولا حساب، ولذا ثبت في الحديث القدسي الصحيح بقول الله تعالى: (( كل عمل آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به ) ).
والمعنى والله أعلم أن الله تعالى يجزي على الصيام جزاءً خاصًا يليق بشرف عبادة الصيام، وفضل شهر رمضان وكرم الكريم المنان، فلا يعلم إلا الله ما ادخر للصوام من الثواب الكريم والنعيم المقيم، ولذا قال: (( ما مر بالمسلمين شهر خير لهم منه ) ). وروي عن النبي أنه كان يبشر أصحابه بقدوم رمضان فيقول: (( جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، فيه تفتح أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم ) ).
فاشكروا الله أيها المسلمون على ما أودع رمضان لكم من عظم الخصال، واستقبلوه أحسن استقبال، وعظموه بالصيام والقيام، والتنافس في صالح الأعمال، وادخلوا دار الصوم راشدين، وعظموا أوامر رب العالمين، وإياكم أن تتسحروا للصيام أو تفطروا منه من كسب حرام، فإن ذلكم من دواعي رد الأعمال وموجبات الآثام، واعلموا أن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، فلا يقبل صدقة من حرام ولا يستجيب دعاء آكله أو الداعي بإثم أو بقطيعة الأرحام.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان هدى للناس وبيانات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون [سورة البقرة:185] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا جميعًا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مبعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إنا نسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، الله إنا نسألك النعيم يوم الغلبة والأمن يوم الخوف، اللهم إنا نعوذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين.
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله فإن تقوى الله تقي مقته، وتقي عقوبته، وتقي سخطه، وإن تقوى الله تبيض الوجه، وترضي الرب، وترفع الدرجة، فاتخذوا تقوى الله تجارة يأتيكم الرزق بلا بضاعة ولا تجارة، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب.
روي أن النبي قال: (( إن الجنة لتزين من السنة إلى السنة لشهر رمضان، فإذا دخل رمضان قالت الجنة: اللهم اجعل لنا في هذا الشهر من عبادك سكانًا. ويقلن الحور العين: اللهم اجعل لنا من عبادك في هذا الشهر أزواجًا ) ). وروي عنه أنه قال: (( فمن صان نفسه في شهر رمضان فلم يشرب فيه مسكرًا ولم يرم فيه مؤمنًا بالبهتان ولم يعمل فيه خطيئة زوجه الله كل ليلة مائة حوراء، وبنى له قصرًا في الجنة، من ذهب وفضة وياقوت وزبرجد؛ لو أن الدنيا جمعت فجعلت في ذلك القصر لم تكن فيه إلا كمربط عنز في الدنيا، ومن شرب فيه مسكرًا ورمى فيه مؤمنًا ببهتان وعمل فيه خطيئة أحبط الله عمله سنة ) ).
فاتقوا الله في شهر رمضان، فإنه شهر الله، أن تفرطوا فيه فقد جعل الله لكم أحد عشر شهرا تنعمون فيها وجعل لنفسه شهر رمضان فعظموه بما يليق به، واجتهدوا فيه بما شرع، واغتنموا فضائله، واحذروا المعصية فيه فإن وزرها عظيم وإثمها كبير.
فافرحوا بقدوم شهر رمضان، واستقبلوه بالتوبة والإحسان توفقوا للخير فيه.
وصلوا على نبيكم محمد كما أمركم بذلك مولاكم إذ خاطبكم بذلك خطابًا كريمًا: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [سورة الأحزاب:56] .
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون [سورة النحل:90] .
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.