تهويد القدس 9 تشرين أول 2002 - 16:17 توقيت القدس
إسم الخطيب: الدكتور عكرمة صبري
تاريخ الخطبة: 14/7/2002
ملخص الخطبة
1-هجمة استيطانية جديدة لليهود على القدس. 2- بعض صور الظلم والقهر في هذه الهجمة. 3- التنبؤ بفشل الجدار الواقي في حماية اليهود. 4- اتهام الإسلام بالإرهاب والتخلف. 5- التحذير من انتشار المخدرات وبيان خطرها.
نص الخطبة
الخطبة الأولى:
أما بعد:
فيقول الله في سورة آل عمران: {ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ?لْبَغْضَاء مِنْ أَفْو?هِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاْيَـ?تِ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران:118] .
أيها المسلمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، تتعرض بلادنا المباركة المقدسة إلى هجمة استيطانية استعمارية شرسة، فلا يخلو يوم إلا ونقرأ أو نسمع عن مصادرة للأراضي أو تجريف للمزروعات أو قطع للأشجار، ويأتي ما يسمى بالجدار الواقي ليبتلع آلاف المساحات ويعطل الزراعة فيها والاستفادة منها، وصرح أحد المسئولين عن المستوطنات بأن المخططات المتعلقة بالمستوطنات ما كانت لتخرج إلى حيز التنفيذ، لولا التعاون الوثيق مع وزارات الدفاع والمالية والإسكان الإسرائيلية، وقد عبر المسئول عن هذا التعاون من خلال إغلاق العيون عن عمليات البناء والسرقات غير القانونية على الأراضي، أي أن هذا المسئول يعترف صراحة باستيلائهم على الأرضي غير القانونية ولا الشرعية، فهذا هو العدل المزعوم، وهذا هو التعايش الوهمي.
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، في ظل الاجتياح العسكري الإسرائيلي تنشط عملية الاستيطان في حي وشارع الحاج بلال طولًا وعرضًا إلى أن زاد عدد المستوطنات إلى ماتين وعشر مستعمرات، مع الاستيلاء على مساحات شاسعة من أراضي المواطنين أصحاب الحق الشرعيين، حيث زادت نسبة الأراضي المستولى عليها إلى 70 % من أراضي الضفة الغربية وإلى 40 % من أراضي قطاع غزة، ولا يخفى أن البؤر الاستيطانية المنتشرة هنا وهناك تهدف إلى تفتيت الأراضي وعزل المدن والقرى والمخيمات عن بعضها بعضا، وإلى محاصرة مدينة القدس من جميع الجهات.
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، إن ما تقوم به الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة هو تأكيد لتوصية قدمتها لجنة إسرائيلية خاصة تشكلت قبل ثلاث وعشرين سنة، والعرب يغطون في نوم عميق، ومهمة هذه اللجنة تقديم تقرير حول التصور الإسرائيلي للحكم الذاتي للفلسطينيين وتكريسه على الأرض الفلسطينية، بحيث يكون كيانًا شكليًا منزوعًا من مقومات الدولة، ومن أبرز هذه التواصي:
هو أن الأراضي الأميرية ستبقى تحت السيطرة الإسرائيلية، وأنه سيسمح للاستيطان فيها، وأنه سوف يستمر كما هو واضح وجلي، وأن المستوطنين يخضعون للقانون الإسرائيلي.
وهم الآن ينفذون هذه التواصي تحت سمع وبصر العالم كله، وأمس الخميس أعلن عن توسيع بؤرة استيطانية في حي الطور على جبل الزيتون في القدس، المطل على المسجد الأقصى المبارك، وإن هذه البؤرة الاستيطانية ستؤدي إلى الاستيلاء على بعض البيوت والأراضي في جبل الطور من أصحابها الشرعيين. وأدعو المواطنين جميعا أن يقفوا إلى جانب إخوانهم المعتدى عليهم الذين قدموا اعتراضًا على ذلك.
جاء خبر خلال هذا الأسبوع إغلاق الإدارة العامة لجامعة القدس، وهذا القرار الجائر هو جزء من تهويد هذه المدينة، فإن جامعة القدس صرح علمي يجب المحافظة عليه، وهي تحمل اسم مدينة القدس.
ونطالب المواطنين الكرام بتسديد فواتير الكهرباء، لأن عدم التسديد سيؤدي إلى أن تضع السلطات الإسرائيلية يدها على هذه الشركة بحجة الإفلاس، فلا تكونوا عونًا للاحتلال، ولا تكونوا عونًا على هتك هذا الصرح الاقتصادي، الذي هو رمز للنهوض بمدينة القدس.
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، كما هو واضح ومعلوم فإن إقامة المستوطنات تلازمها مصادرات للأراضي العربية وحفر للطرق الالتفافية التي مزقت البلاد وأبعدت فيها بين العباد، بالإضافة إلى قلع الأشجار المثمرة من الزيتون واللوزات والحمضيات، هذه الأشجار التي تسبح الله عز وجل كما في قوله: {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـ?كِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء:44] .
وقد أشارت الإحصاءات مؤخرًا إلى أن أكثر من نصف مليون شجرة مثمرة دمرتها الجرافات الإسرائيلية منذ الانتفاضة المباركة الأخيرة وحتى الآن، وأن الخسائر في القطاع الزراعي وحده بلغ نصف مليار دولار، وأن بعض أنواع من المزروعات مهددة بالانقراض نتيجة التجريف للأراضي ونتيجة الحصارات اللعينة للمدن والقرى، مما يؤدي إلى تعطيل التصدير وإتلاف المزروعات.
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، إن ما يسمى بالجدار الواقي سيؤدي إلى الاستيلاء على آلاف الدُنمات من الأراضي وإلى تعطيل الزراعة فيها وإلى عدم الاستفادة منها، كما يؤدي إلى خنق المواطن اقتصاديًا وإلى الحد من حرية الحركة والسفر لديهم، وسوف لا تحل المشكلة التي عقّدتها سياسة شارون العدوانية، فقد سبق أن أقيمت عدة جدران عازلة في العالم مثل جدار برلين الذي فصل برلين الغربية عن برلين الشرقية، وجدار آخر بين أمريكا والمكسيك، وجدار ثالث بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، وجدار رابع حول الصين الذي عرف بسور الصين العظيم، وغيرها من الجدران العازلة الفاصلة، ولكن هذه الجدران لم تغنِ شيئًا، ولم تُحل المشكلات التي من أجلها أقيمت هذه الجدران، فالسعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه.
وأما الجدار الواقي هو في الحقيقة غير واقي، فإن الحل السليم المشروع هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي.
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، إن ديننا الإسلامي العظيم، وهو دين الرحمة، دين العدل، دين البشرية، لذا فقد انتشر في أرجاء المعمورة وتقبلته الشعوب بالترحاب ودخلت في دين الله أفواجًا، ولا يزال الناس من مختلف الديانات والأجناس يدخلون في هذا الدين العظيم الذي ترك بصمات واضحة للحضارة الإسلامية في أرجاء المعمورة، وبرز في تاريخه الزاهر مئات الآلاف من العلماء بمختلف التخصصات والمجالات، بالإضافة إلى ملايين المؤلفات الفقهية والعلمية والموسوعية، ولا يزال هذا الدين العظيم ينتشر ويقوى رغم ضعف أتباعه سياسيًا وعسكريًا، ورغم تفريط حكام المسلمون وبُعدهم عن الكتاب والسنة، فلو تصورنا وحدة للمسلمين وقيامًا لدولة واحدة لهم. فكيف سيكون شأن هذا الدين؟
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، إننا نرفض أن يتهم ديننا الإسلامي العظيم بالإرهاب والتخلف، نرفض أن يوضع في قفص الاتهام، فهذا الدين أسمى من أن يتهم، وأسمى من أن يوضع في قفص الاتهام، إن الذي يتهم بالإرهاب والاعتداء هو الذي يعتدي على الآخرين ويستعمر ويحتل بلادهم، وإن مصادرة الأراضي والاستيلاء عليها لا يكسب المعتدي أي حق، وإن حقنا الشرعي واضح وضوح الشمس في واضحة النهار، وإن هذه الديار المباركة المقدسة لا يسري عليها صروف الزمان مهما طال.
أيها المسلمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، تمسكوا بأراضيكم، حافظوا عليها، افلحوها وازرعوها واستثمروها. كما يتوجب على أهالي القدس إشغال جميع البيوت الخالية من السكان، فأصابع الاتهام توجه للشخص الذي يترك بيته خاليًا، كونوا أيها الإخوة أوفياء للقدس والأقصى، لتنالوا ثواب المرابطة في هذه الديار المباركة المقدسة.
جاء في الحديث النبوي الشريف: (( عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله ) ). صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فيا فوز المستغفرين.
الخطبة التانية:
الحمد لله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، صلاة وسلام دائمين إلى يوم الدين، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أيها المصلون، يا أبناء بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، أتناول في هذه الخطبة ظاهرة انتشار المخدرات بين الشباب والشابات، و بخاصة في سن المراهقة، وقد قامت بعض الجمعيات الطبية والإنسانية والاجتماعية بحملات مكثفة لتوعية الجماهير ولإرشادهم بمخاطر المخدرات ولتنبيههم منها، حتى لا يقعوا في أحابيلها بتأثير رفاق السوء والعملاء.
ومع الأسف لقد أُخذنا عن مكافحة موضوع المخدرات بسبب الأحداث المأساوية المتوالية التي تنتاب بلادنا، فلا يجوز شرعًا السكوت عن تعاطي المخدرات، فالمخدرات عواقبها وخيمة، لما يترتب عليها من جرائم لا أخلاقية ومن جرائم مدمرة للمجتمع، كالسرقة والزنا واللواط ثم التجسس والجاسوسية والإسقاط بقصد تقويض بُنية المجتمع وتفتيت الأسرة وضرب القيم الإسلامية، والمخفي أعظم وأعظم.
ألم تعلموا يا مسلمون أن عدد المدمنين للمخدرات في فلسطين قد زاد عن 30 ألف شخص، ولا أقول ذلك من قبيل التيئيس، إنما للتنبيه لخطورة هذه السموم القاتلة للإنسان، جسميًا، ونفسيًا، وأخلاقيًا.
أيها المسلمون، أيها الآباء، أيتها الأمهات: في هذه الأيام العصيبة المريرة، عليكم واجبات ثقيلة وحساسة، وحتى تنجحوا في تربية أبنائكم وبناتكم، وحتى تحموهم من المخدرات والموبقات والانجرافات يتوجب عليكم إصلاح أنفسكم أولًا، بالتربية الإسلامية والتمكن من العقيدة الإسلامية والإيمان، وذلك لتتمكنوا من تربية أولادكم ولتحموهم من المسكرات والمخدرات، ولتبعدوهم عن مصاحبة الأشرار، والله سبحانه وتعالى يقول: {ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ?لنَّاسُ وَ?لْحِجَارَةُ} [التحريم:6] .
وهل يعلم الآباء والأمهات أن الله عز وجل سائل كلًا منهم عن رعيته، فيقول رسولنا الأكرم (( كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته ) )ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله.