عنوان الخطبة
اسم الخطيب
عائض القرني
ملخص الخطبة
1-قصة المرأة التي ردت على عمر وهو يخطب. 2- موقفين للنبي يوم الفتح في إقرار حقوق الإنسان. 3- إنكار سلمان على عمر الخليفة. 4- عمر يستحث رعيته على تقويمه إذا أعوج. 5- انتشار خرافة في كتاب اسمه (حجاب الحصن الحصين) . 6- بيان موقف الإسلام في التمائم والرقى والشعوذة.
الخطبة الأولى
عباد الله:
يقول - عز وجل - في محكم كتابه: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون [التوبة:6] .
وقال أيضًا: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنتم فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين [آل عمران:159] .
وقال أيضًا: والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين [آل عمران:134] .
وقال: (( المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه، وماله، وعرضه ) ) [1] .
أيها المسلمون:
نتحدث في هذه الخطبة عن حقوق الإنسان في الإسلام.
وإني لأتخيّل مسجد النبي وقد امتلأ بالمصلين في صلاة الجمعة، وامتلأت الرحبات المجاورة للمسجد، وبدأ الخطيب يمشي نحو المنبر ليخطب في المسلمين.
وارتقى الخطيب درجات المنبر، وعليه ثيابه المرقعة الممزقة، ثم سلم على المسلمين وجلس.
أتدرون من هو الخطيب؟ إنه خليفة المسلمين عمر بن الخطاب إنه الذي دوّخ الأكاسرة والقياصرة، إنه الذي داس إمبراطورية كسرى وقيصر تحت قدميه.
طوت الملائكة الصحف وجلست تستمع. والمسلمون ينصتون، فلا تتحرك شفة، ولا تسمع همسًا، ولا ترى حركة ولا التفاتًا.
ويتحدث الخليفة في رمضان عن مشكلة المغالاة في المهور، وعن إمكانية تخفيضها، لما في ذلك من إرهاق للمقدمين على الزواج.
قال عمر: أيها الناس، ما إكثاركم في صداق النساء؛ وقد كان رسول الله وأصحابه، وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو مكرمة، لم تسبقوهم إليها. فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم.
لم نزل فاعترضته امرأة من قريش... فقالت له: يا أمر المؤمنين، نهيت الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم. قال: نعم. فقالت: أما سمعت ما أنزل الله يقول: وآتيتم إحداهن قنطارًا [النساء:20] . فقال: اللهم غفرانك..! كل الناس أفقه من عمر.
ثم رجع فركب المنبر فقال: يا أيها الناس، إن كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب [2] .
إنه يعيش الخلافة الراشدة بعدلها، إنه يعرف حقوق الإنسان، إنه يدرك وعي الأمة.
ينزل الله على نبيه، ، قوله: وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه [التوبة:6] . إن جاءك مشرك معه أطروحة، عنده شبهة، يريد أن يتكلم، فاستمع له وافتح له صدرك، وأسمعه كلام الله، لا تعنّفه، ولا تقده إلى الحبس، ولا تلقه في غياهب السجون.
والمواقف التي تدل على حقوق الإنسان في الإسلام كثيرة جدًا.
أذكر منها ثلاثة، تبين قيمة الإنسان في الإسلام، وأنه ليس بهيمة، إنه إنسان سميع بصير، جعل الله له حقًا ورأيًا وكلمة، عنده قلم يحمل إبداعًا، وقد يكون هذا الإنسان خيرًا منك عند الله، وأقوم قيلًا.
الموقف الأول: أراد عليه الصلاة والسلام، أن يرجع إلى مكة ليفتحها، فكتم الأمر، إلا عن بعض أصحابه، وفشا في الناس أنه يريد حنينًا، فلما كان بالروحاء قال عليه الصلاة والسلام: (( اللهم عمّ عليهم خبرنا حتى نأخذهم بغتة ) ).
إذن فالأمر سرّ لا يجوز كشفه، ومع ذلك ينطلق أحد الصحابة، فيكتب رسالة خائنة، يخبر قريشًا بخبر رسول الله وأنه سوف يغزوهم، ثم أعطى الرسالة امرأة فوضعتها في عقيصة رأسها.
ذهبت المرأة إلى قريش، وفي الطريق عند روضة خاخ، بين مكة والمدينة، أنزل الله الخبر من السماء، فانطلق فارسان من المسلمين، وأدركا هذه المرأة، وأخذا منها الكتاب.
خيانة مكشوفة، إفشاء لأسرار عسكرية، ومن الذي فعل ذلك، إنه حاطب بن أبي بلتعة، أحد الذين شهدوا بدرًا، فاستدعاه عليه الصلاة والسلام، ليشهد على نفسه أمام الله، وأمام المسلمين، وأمام التاريخ، فقال عمر: يا رسول الله، إنه خان الله ورسوله، دعني لأضرب عنقه.
ولكن. .قتل الإنسان ليس سهلًا. .حبس الإنسان ليس سهلًا، مصادرة رأي الإنسان ليس سهلًا.
فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( يا عمر وما يدريك، لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) ) [3] ، فأنزل الله - عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوّي وعدوكم أولياء [الممتحنة:1] .
ويستمر الرسول عليه الصلاة والسلام في طريقه نحو الفتح، فيفتح الله عليه مكة في رمضان، ويلقاه أبو سفيان بن الحارث الذي قاتله، وسبه، وأخذ ماله، وأخرجه من داره، يلقاه أبو سفيان. فيسلم عليه ثم يقول: يا رسول الله: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين [يوسف:91] . فتسيل دموعه، عليه الصلاة والسلام، ويجيب: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين [يوسف:92] .
فيدخل عليه الصلاة والسلام مكة فاتحًا منتصرًا، يسحق الأصنام ويحطّم الشرك والوثنية.
ولما أذن المؤذن لصلاة الظهر، أخذ بأصابعه الشريفة حلق باب الكعبة، وهزها وقال: الحمد لله الذي نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، يا معشر قريش: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء [4] .
نعم، إنها حقوق الإنسان، إن من حقك أن تعيش محترمًا؛ في كلمتك، وفي رأيك، وفي بيتك، وفي قلمك، وفي مالك، لا تعيش خوفًا ولا بطشًا، ولا إرهابًا ولا تخويفًا، وهذا ما كفله الإسلام لجميع المسلمين على حد سواء، لا فرق بين أبيض وأسود، ولا غني وفقير، ولا كبير وصغير؛ الكل في ميزان الإسلام سواء.
وموقف ثان: أتت ثياب من اليمن، فوزعها أمير المؤمنين عمر على الناس، كل مسلم له ثوب، وبقي ثوب لأمير المؤمنين فلبسه، فوصل الثوب إلى ركبتيه، فقال لابنه عبد الله: يا عبد الله، أعطني ثوبك الذي هو حصتك، فأعطاه ثوبه، فوصل عمر ثوبه بثوب ابنه عبد الله ولبسهما.
وصعد الخليفة يخطب في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس اسمعوا لما سوف أحدثكم عنه.
لكن سلمان له رصيد من الإيمان، فهو ليس بقرشي، ولا هاشمي، ولا عربي، ولا هو من قرابة الخليفة حتى ينال حصانة دبلوماسية لئلا تناله الأيدي، فهو فارسي أوصله الإسلام إلى شرف: (( سلمان منا آل البيت ) ) [5] . فيصرخ سلمان: والله لا نسمع، ولا نعي، قال عمر: ولم؟ قال: لأنك تلبس ثوبين، وتلبسنا ثوبًا واحدًا، أين العدالة؟ قال عمر: يا عبد الله: قم فأجب، فقام عبد الله والناس سكوت، فقال: إن أبي رجل طوال لا يكفيه ثوب، فأعطيته ثوبي، فوصله بثوبه ولبسهما. وهنا قال سلمان: يا أمير المؤمنين الآن قل نسمع، وأمر نطع.
إن هذا هو الإسلام الذي حرّر الناس من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا، إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان، إلى عدل الإسلام.
وثالث المواقف: أن عمر أراد أن يختبر جرأة الناس في الحق، أراد أن يُشطّب على سجلات النفاق والمجاملة والكذب والمدح بغير حق، فوقف على المنبر، ثم قطع الخطبة وقال: ما أنتم قائلون لو رأيتموني حدتُ عن الطريق هكذا.. ماذا ستفعلون لو انحرفت عن المنهج الرباني؟ ما موقفكم لو ظلمت وطغيت؟
لو كان هؤلاء غير رعية عمر لقالوا: أنت لا تخطئ، أنت لا تضل ولا تنسى. .أنت نور الزمان وكوكبة الفلك، وبركة الوقت.. كيف تخطئ والغيث ينزل بسببك من السماء!!
أما رعية عمر فليسوا من هذا النوع من البشر فيقف أعرابي في آخر المسجد، ويأخذ سيفه من جانب السارية، ويرفعه إلى السماء ليراه أمير المؤمنين، ويقول: والله يا أمير المؤمنين، لو رأيناك حدت عن الطريق هكذا.. لقلنا بالسيوف هكذا، قال عمر وعيناه تذرفان فرحًا: الحمد لله الذي جعل في رعيتي من إذا حدت عن الطريق هكذا قاموا عليّ بالسيوف هكذا.
إن الأمة الممسوخة، هي التي لا تبدي الرأي البناء الصادق، الذي لا يهدّم أمنًا، ولا يثير فتنة، ولا يلعب بمقدرات الناس، أما الأمة الواعية فهي التي تقوّم الانحراف، وتقول للمخطئ أخطأت، وللظالم ظلمت، وللمصيب أصبت، وللعادل عدلت. يقول عليه الصلاة والسلام: (( إذا تهيبت أمتي أن تقول للظالم فقد تُودع منها ) ) [6] .
أي سقطت من عين الله، فلا يرضاها أمة شاهدة، ولا يرضاها أمة رائدة، ولا أمة وسطًا.
أيها المسلمون:
هذه هي حقوق الإنسان، حقوق الأسود، حقوق الأبيض، حقوق الأحمر، حقوق الشعث الغبر، الذين ينامون على الرمضاء، ويلتحفون بالسماء، حقوق الذين يريدون أن يتحدثوا وينصحوا ويوجهوا.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه مسلم (4/1986) رقم (2564) .
[2] ذكره ابن كثير في تفسيره (1/442) ، وقال: إسناده جيد قوي ، وذكره السيوطي في الدر المنثور (2/238) ، وقال: أخرجه سعيد بن منصور ، وأبو يعلى ، بسند جيد . وقد ضعف الألباني بعض طرق وألفاظ هذه القصة. انظر: إرواء الغليل (6/347ن 148) .
[3] أخرجه البخاري (5/89) ، ومسلم (4/1941 ، 1942) رقم (2194) .
[4] انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/78) .
[5] قال الألباني: ضعيف جدًا ، أخرجه الطبراني والحاكم عن عمرو بن عف ، وقد صحّ موقوفًا عن علي . انظر ضعيف الجامع رقم (3272) .
[6] أخرجه أحمد (2/163 ، 190) من حديث عبد الله بن عمرو.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وليّ الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
عباد الله:
إن الله - عز وجل - قد أكمل لنا الدين وأتمّ علينا النعمة برسالة محمد عليه الصلاة والسلام، فقال تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا [المائدة:3] .
وصح عنه عليه الصلاة والسلام، أنه قال: (( تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ) ) [1] .
ذهب عمر رضي الله عنه وأرضاه - إلى قرية من قرى اليهود، فوجد فيها كتاب التوراة، فأخذ منها نسخة، وأتى بها النبي ، فلما رآها النبي غضب، وقال عمر -: (( أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده، لو أن موسى، ، كان حيًا، ما وسعه إلا أن يتبعني ) ) [2] .
أما أتى بالقرآن والسنة؟ أما أدى الأمانة وبلغ الرسالة؟ أما أكمل الله به الدين وأتم به النعمة؟ فلا يحتاج عبد إلى عقيدة، أو عبادة، أو معاملة، أو سلوك، إلا وجد ذلك في الكتاب والسنة!!
أما علمنا رسولنا كيف نأكل، وكيف نشرب، وكيف ننام؟ فمالنا نصد عن منهج الله؟ ومالنا لا نتبع أوامر رسول الله؟
شعوبك في شرق البلاد وغربها كأصحاب كهف في عميق ثبات
بأيمانهم نوران ذكرٌ وسنةٌ فما بالهم في حالك الظلمات!!
أيها الناس: لقد انتشر بين كثير من الناس في بلادنا، دفتر صغير، اسمه: (( حجاب الحصن الحصين ) )؛ خزعبلات، وضلالات، ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور [النور:40] .
هذا الدفتر، ألّفه أحد المشعوذين، أو الكهنة، أو السحرة، فيه كلام باطل، وشرك بالله - عز وجل - جاءني به بعض الشباب، وهو منتشر في القرى، والمدن والبوادي.
يزعم هذا السفيه الأحمق الذي افترى هذا الكلام، أنه ينفع في أمور كثيرة؛ إذا وضعته المرأة في حرير، ووضعته في رأسها، وكانت لا تتزوج، جاءها الخطّاب من كل مكان!!
وإذا وضعه صاحب الدكان، وعلقه في دكانه، جاءه الزبائن بالعشرات، ولا يحترق دكانه!!
وإذا وضعه الإنسان في البيت، لا يحترق!!
سبحان الله! نبئوني بعلم إن كنتم صادقين [الأنعام:143] .
قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين [البقرة:111] .
لقد حذر الله من هذه الخرافات ونهى عن هذه الشعوذة ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين [الزمر:65-66] .
واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزًا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدًا [مريم:81-82] .
واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئًا وهم يُخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا ولا يملكون موتًا ولا حياةً ولا نشورًا [الفرقان:3] .
فلماذا هذه الضلالات؟ ولماذا هذه البدع؟ ولماذا هذا التشويه لوجه الإسلام؟
الإسلام جميل، الإسلام قيّم، الإسلام حق، الإسلام صدق، فلا يتصور، ولا يجوز أن تنشر هذه الخزعبلات والشعوذة في الأرض التي بعث فيها إمام التوحيد محمد عليه الصلاة والسلام، فكيف نجد من ينشر مثل هذا الكلام على الرجال والنساء، والعجائز، والأطفال، والشباب، ليردوهم عن الدين الصحيح، والمنهج الأقوم.
صح عنه أنه قال: (( من أتى عرّافًا [3] فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ) ) [4] .
وصح عنه عليه الصلاة والسلام، أنه قال: (( من أتى عرافًا، أو كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ) ) [5] . تمائم، وخيوط، ودبل، وطلاسم، وشعوذة، وسحر، وكهانة، أهذا هو الإسلام؟
رأى النبي رجلًا في يده حلقةٌ من صفر، فقال: (( ما هذه الحلقة؟ ) )قال: هذه من الواهنة [6] . قال: (( انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهنًا ) ) [7] .
وزاد أحمد: (( فإنك لو مت وهي عليك، ما أفلحت أبدًا ) ) [8] .
وصح عنه أن قال: (( من تعلّق تميمة، فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة، فلا ودع الله له ) ) [9] .
والتميمة؛ إما ورقة يكتب فيها غير القرآن، وحتى القرآن على الصحيح لا يعلّق، فكيف إذا كان طلاسم، وسحر، وشعوذة؟!
إن هؤلاء الكهنة والمشعوذين، يتخذون هذا الأمر تجارة، يأكلون به أموال الناس بالباطل، ويصدونهم عن دين الله، ويخرجونهم من دينهم وإيمانهم، وإسلامهم.
أيها الناس: قبل أيام، ذهب رجل إلى اليمن، ليلتقي هناك ببعض السحرة، لأن ابنته مريضة، فذهب إلى السحرة لتشفى ابنته!! ودفع لهم أموالًا طائلة. قلنا له: خسرت دينك وآخرتك، وكفرت بالله العظيم تمامًا، وخسرت دنياك أيضًا، بما أنفقته من الأموال الطائلة، ولم يحصل لابنتك الشفاء الذي كنت ترجو. خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين [الحج:11] .
وصدق رسول الله: (( من تعلق تميمة، فلا أتم الله له ) )، لا في الدنيا ولا في الآخرة، لا أتم له مطلوبه، ولا شفى مريضه، ولا نجح راسبه، ولا ردّ غائبه،، ولا رزقه، ولا سد دينه، لأنه عادى الله، وعاد عن طريقه، وأعرض عن سبيله.
(( ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له ) )والودع: صدف يخرج من البحر، يعلق في بعض البيوت، فمن فعل ذلك: (( فلا ودع الله له ) )، لا حفظه الله، ولا رعاه، ولا تولاه، لا في الدنيا، ولا في الآخرة.
فيا أمة محمد عليه الصلاة والسلام، يا أبناء من نشر التوحيد في العالم، أمثل هذه الخرافات والسخافات تنشر بين أيديكم؟ من ينشر الإسلام في العالم إذن؟ من يخبر الناس بصفاء هذا الدين، وصدق هذا الدين، ووضوح هذا الدين؟
يأتي المشعوذون، والسحرة، والكهنة، فيشوّهون وجه الإسلام الجميل، فأين حماة الدين؟ وأين حراس العقيدة؟
قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضرّ هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمةٍ هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون [الزمر:38] .
سبحان الله، ما أجلّ الله، إذا مرضت شفاك، وإذا طلبت أعطاك، وإذا دعوت أجابك: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون [البقرة:186] .
فاتصل بالله مباشرة، وعليك بالسجود، فإن العبد أقرب ما يكون إلى ربه - تبارك وتعالى - وهو ساجد.
لقد أساءت الأمة أيما إساءة، يوم شوهت وجه التوحيد، بهذه الشركيات والبدع المنكرة، يوم عرضت الإسلام على الأمم ممسوخًا ناقصًا مبتورًا، حتى استهزأ عبدة الكأس والمرأة الداعرة، والشهوة الرخيصة بالإسلام وأهله، فزعموا أن الإسلام خزعبلات، وأنه دروشة، وأنه همجية وبربرية، والإسلام من ذلك براء، لكن شوهه بعض أبنائه، الذين ما فهموه حق فهمه، وما عرفوه حق معرفته.
أيها المسلمون: حذار حذارِ من هذه الأمور، فإنها نبذٌ للعقيدة، وطرح للتوحيد، وضرب للإسلام في صميم القلب، ومعنى ذلك أن نفقد ديننا، وأخلاقنا، وسيرتنا.
أيها الموحدون: أنكروا هذا المنكر، وحاربوه، واشجبوه، وانهوا عنه، ومن وجد منكم أحدًا من هؤلاء، فليرفع أمره إلى السلطان، وإلى القضاة، وإلى ولاة الأمر، وليأخذ على أيدي هؤلاء السفهاء، وليفضحهم أمام الناس، فإنهم أعداء الرسل، وبسببهم حل الجفاف، والمرض، والسلب والنهب، والقطيعة، وقسوة القلوب، وفساد ذات البين، وعقوق الأبناء.
نسأل الله أن يطهر البلاد منهم، الله احفظ علينا إسلامنا وتوحيدنا وإيماننا، اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا ونحن نعلم، ونستغفرك مما لا نعلم.
عباد الله: وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [الأحزاب:56] .
وقد قال: (( من صلى علي صلاة، صلى الله عليه بها عشرًا ) ) [10] .
اللهم صل على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، والصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك ومنّك يا أكرم الأكرمين.
[1] أخرجه ابن ماجه (1/16) رقم (43) . وأحمد (4/126) .
[2] أخرجه أحمد (3/387) ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/179) رواه أحمد ، وأبو يعلى ، والبزار ، وفيه مجالد بن سعيد ؛ ضعفه أحمد ، ويحيى بن سعيدوغيرهما.
[3] العراف: قال ابن الأثير: العراف المنجم ، الذي يدعي علم الغيب.
[4] أخرجه مسلم (4/1751) رقم (2230) .
[5] أخرجه أحمد (2/429) ، وصححه الألباني كما في صحيح الجامع رقم (5939) .
[6] الواهنة: عرق يأخذ في المنكب ، وفي اليد كلها ، وقيل: هو مرض.
[7] أخرجه ابن ماجه (2/1167 ، 1168) ، رقم (3531) ، وأحمد (4/445) .
[8] أخرجه أحمد (4/445) .
[9] أخرجه أحمد (4/154) .
[10] أخرجه مسلم (1/288) رقم (384) .