فهرس الكتاب

الصفحة 4867 من 9788

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين ، أحمده سبحانه وأثني عليه الخير كله ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، إله الأولين والآخرين ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، وصفيه وخليله ، صلى الله عليه ، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد

فاتقوا الله عباد الله ، فبتقوى الله تعالى يدرك الناس خير الدارين وفوز المنزلين، قال الله تعالى:)الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (( ) .

أيها المؤمنون إن الأمن أغلى المطالب وأنفسها، فبالأمن تصان النفوس والأديان، وتحفظ الأموال والأعراض والأنساب، فتحقيق الأمن للبشرية من أعظم وظائف الرسل والأنبياء، ومن أهم مقاصد الكتب.

إن تحقيق الأمن لا يقتصر نفعه وفائدته على عمارة الدنيا وصلاحها، بل لا تستقيم العبادة ويكتمل نظامها إلا باستتباب الأمن وظهوره، فالصلاة التي هي عمود الدين وقوامه، لا تكتمل إلا بالأمن، قال الله تعالى: )فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (( ) ، ففقدان الأمن سبب في نقص العبادات واختلال كمالها.

إن الأمن ضرورة كبرى لإقامة حياة الناس؛ لذا تشترك الأمم كلها في طلبه والسعي لتحصيله، والأمم يقاس رغد عيشها وسعادتها ونموها وتقدمها بقدر ما حققته من أمن لشعوبها، ولا عجب فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا ) ) ( ) . أي: فكأنما جمعت له الدنيا كلها، فالأمن في الذروة من المطالب، والسنام من المقاصد. فهذا خليل الله تعالى لما أنزل ولده وأهله بذلك الوادي القفر هتف مناجيًا ربه ) رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (( ) . فجعل الأمن أول المطالب وكذلك في الآية الأخرى قال تعالى: )وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (( ) .

أيها المؤمنون إن تحقق الأمن منحة كبرى، ونعمة عظمى، امتن الله تعالى بها على الناس في مواضع عديدة من كتابه، فمن ذلك ما قاله تعالى في أهل مكة:) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ (( ) .

إن مما يُضعف الشعور بعظيم المنة، ومعرفة قدر النعمة، ما جُبِلَ عليه بنو البشر من جحود وكنود ) إِنَّ الْأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (( ) . ويعزز ذلك ويدعمه، أن ملابسة النعم من أكبر أسباب الغفلة عنها، فلا يعرف قدر النعم ومكانتها إلا عند فقدها، أو رؤية من تجرد منها.

أيها المؤمنون إن الله ضرب مثلًا يتبين به خطورة ارتفاع الأمن، فقال:)وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (( ) . وإن الناظر إلى حياة البلدان التي اختل أمنها، وانفرط عقدها، يرى صدق ما أخبر الله به في هذا المثل، فهم في ضنك من العيش، تفتقر حياتهم إلى أسهل مقوماتها الأساسية، فلا تكاد تبصر فيها دنيا مزدهرة، ولا دينا قائمًا ! ففقدان الأمن سبب لضياع الدين والدنيا، وتسلط الأعداء، وتعطيل مسيرة البناء، فلا ينتفع غني بغناه، ولا عالم بعلمه، ولا ذو كفاءة بملكته، بل يعيش الناس في قلق واضطراب، فأمن البلدان من أعظم مكتسباتها، فواجبنا جميعا أن نسعى إلى حفظ الأمن وتحقيقه بشتى أسبابه، ولن يتحقق ذلك بمجرد الأماني، بل لابد من عمل دؤوب، وجهد متصل، وتعاون متآلف؛ لتحقيق أمن البلاد والعباد.

فنسأل الله أن يرزقنا إيمانًا صادقًا يباشر القلوب فتأمن به وتطيب، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين ، أحمده سبحانه وأثني عليه الخير كله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدالله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته بإحسانٍ إلى يوم الدين .

أما بعد

فاتقوا الله عباد الله، اتقوا الله تعالى حق التقوى، وقوموا بما أمركم الله تعالى به من التعاون على البر والتقوى، حيث قال جلّ وعلا:) وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (( ) .

أيها المؤمنون إن الغلو والتطرف من أخطر المشاكل التي يواجهها المسلمون اليوم، وهي مشكلة كبرى تحتاج إلى تشخيص ومعالجة؛ لقطع دابرها وتوقي شرورها.

وإن معالجة مشكلة الغلو والتطرف ليس حكرًا على جهة أو نخبة، بل هو واجب الجميع، مستعملين في ذلك كافة الوسائل الممكنة، ابتداء بهتك ستار الأفكار المتطرفة، ودحض شبه الآراء المنحرفة الغالية، وبيان عوارها، وفضح دعاتها وحملتها، وتفعيل الأدوات الأمنية لحسم الغلو والتطرف، ومحاصرته، ووقاية الأمة من شروره.

)وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (( ) . أيها المؤمنون إن ما جرى من اكتشاف الخلايا والتنظيمات الغالية، التي أعلن عنها قريبًا، إنجاز نحمد الله عليه، ونُثَمِّنُ جهود من قام به من رجال الأمن، ونسأل الله تعالى أن يُتبعه بقطع دابر الشر عن بلاد المسلمين.

لكن من الضروري أن نعزز ذلك الإنجاز المبارك، بأن نضيف إلى الإنجاز إنجازًا، وإن من أهم الإنجازات في محاصرة هذه الانحرافات، ووأدها في مهدها، أو القضاء عليها قبل أن يصلب عودها، وتقوى شوكتها، أن نحقق الأمن الفكري والعقدي، لمجتمعاتنا وأمتنا من لوثات هذه الأفكار الضالة المنحرفة، قال الله تعالى: ) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (( ) . ولقد أبان لنا صلى الله عليه وسلم سبيل معالجة مثل هذه الانحرافات، فجمع رسول صلى الله عليه وسلم بين الأمن الفكري العقدي للأمة، وبين التدابير العملية التي تقطع دابر الشر وتحسم شوكته، ففي فتنة الخوارج قال صلى الله عليه وسلم محذرًا الأمة من الاغترار بمقالاتهم وظاهر صلاحهم: (( يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وعملكم مع عملهم ويقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ) )، فوصف النبي صلى الله عليه وسلم حالهم، وما هم عليه من اجتهاد في القول والعمل، وتجرد عن فهم الشريعة، وفقه نصوصها، وإدراك معانيها، فضلوا وأضلوا، وكانوا شرًا على الإسلام وأهله، كل هذا تبصير وتنوير، وكشف لزيف هؤلاء وتبيين، لكن البلاء بهؤلاء كبير لا بد فيه من حسم وتطهير، لذلك لم تقف المعالجة على البيان والتحذير، بل كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غاية الوضوح والنصح للأمة في مواجهة أهل الانحرافات والانشقاقات، فوصف حالهم وكشف عوارهم، أضاف إلى ذلك الأمر بقتالهم، ووجه إلى الحزم في اجتثاث خطرهم، فقال البشير النذير في فتنة الخوارج: (( يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة ) ) ( ) . بل قال: (( لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ) ) ( ) . أي قتلا لا يبقي منهم أحدًا، وما ذاك إلا لعظيم خطرهم على الإسلام وأهله.

فواجب على أهل العلم والرأي أن يبصروا الأمة بتزوير هؤلاء، وتشويهم وتلبيسهم، وأنهم ضالون مضلون، وأنه لا يجوز لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتستر عليهم، ولا أن يتعاطف معهم، بل الواجب على الجميع التعاون في رد شرهم وكشف تضليلهم ومخطاطاتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت