بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة: 4. ربيع الاول 1417
ففي أعقاب معركة اليرموك الشهيرية ، وقف ملك الروم ، يُساءل فلول جيشه المهزوم ، وقف يُساءلهم والمرارة تعتصر قلبه ، والغيض يملىء صدره ، والحمق يكاد يذهب عقله ، ويلكم أخبروني عن هؤلاء الذين يقاتلونكم ، أليسوا بشرا مثلكم ؟ قالوا بلا أيها الملك ، قال فأنتم أكثر أم هم ؟ قالوا بل نحن أكثر منهم في كل موطن ، قال: فما بالكم إذًا تنهزمون ؟ فأجابه شيخ من عظمائهم: إنهم يهزموننا لأنهم يقومون الليل ، ويصومون النهار ، ويوفون بالعهد، ويتناصفون بينهم ، وصدق والله وهو كذُوب ، فهذه السجايا العظيمة ، وهذه الخصال الكريمة ، كانت هي أسباب تلك العزة ، والمجد التليد ، كانت هي الأسباب التي صنعت ملحمة الجهاد الكبرى ، ورسمت أقواس النصر الباهرة ، وأقامت حضارة الإسلام العالمية ، ومكنت القوم من رقاب عدوهم ، حتى دانت لهم الأرض وأهلها ، وأتتهم الدنيا وهي راغمة ، هذه الخصال الرفعية ، هي التي انتقلت بأسلافنا تلك النِقِلة الضخمة ، من عتبات اللات والعزى ، ومناة الثلاثة الأخرى ، إلى منازل إياك نعبد و إياك نستعين ، حيث الأروح المتطلعة إلى السماء ، والنفوس السابحة في العليا ، ولكن يا فرحة لم تستمر ، ويا لبهجة لم تكتمل ، فقد تغيرت الحال ، وهوت الأمة من عليائها ، لتستقر في غبرائها ، وأصبحنا نحن الذين نتساءل اليوم ، لماذا نهوي ويرتفع خصومنا ، والجواب أيها الأحبة في الله ، كيف لايكون ذلك وقد ضاعت تلك الخصال الرفيعة ، والقيم السامية ، وليت الأمر توقف عند لك ، ليت الأمر توقف عند قيام الليل الذي أضعناه ، وصيام النهار الذي افتقدناه ، لهان الأمر وماهو بهين ورب الكعبة ، ولكننا أضعنا ما هو أكبر من ذلك بكثير ، فالصلاة المفروضة ، عماد الدين وركنه الركين ، أصبحت اليوم ، محل استخفاف البعض وسخريتهم ، واستهزائهم وتندرهم ، فهي ضا ئعة مهملة لدى الكثيرين ، منسية مؤخرة عن وقتها لدى آخرين ، تفعل في غير الجماعة لدى الباقين ، وما أشد خوفي والله أن يكون بعضنا قد اقترب كثيرًا من وعيد الجبار جل جلاله { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا } وإذا كنا أحبة الكرام: إذا كنا جادين في محاولة إصلاح الأمة ، وبعث عزتها من جديد ، فنحن مدعون اليوم إلى بحث هذا الموضوع الشائك ، ومناقشة هذه القضية الجلل ، ومعالجة هذه المسألة المهمة ، كونها من كبريات القضايا ، وأمهات المسائل ، وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .
أيها المسلمون: ولواستعرضنا أحوال الناس ومواقفهم من الصلاة لوجدناهم أصنافا وأحزابا كل حزب بما لديهم فرحون ،
فأما صنف من الناس فقد غرتهم أنفسهم ، وغرتهم الحياة الدنيا ، وظنوا أنهم إلى ربهم لايرجعون ، هؤلاء لايعرفون للصلاة قيمة ولا وزنا ، فلا يصلونها بالمرة ، أو يصلونها أحيانًا ، أو عند المناسبات فقط ، فهم بحاجة والله جد ماسة ، إلى تصحيح أصل الإيمان في قلوبهم ، هم بحاجة إلى دعوتهم إلى الإسلام ، ومحاولة إقناعهم به ، كغيرهم من الكفار ، الخارجين عن دائرة الإسلام وإطاره المحدود ،
ومهما كان الحكم قاسيا ، فهو حقيقة لاتقبل الجدال أو المناقشة ، فالذي حكم بكفرهم هو الله ورسوله ، فأما الله جلا جلاله فيقول: { فإن تابوا واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين } ومفهوم الآية واضح ويعني باختصار شديد ، إلم يقوموا الصلاة فليسوا أخوة لنا في الدين ، أي إنهم مرتدون خارجون عن الإسلام وأهله ، أفهمتم يامن تتركون الصلاة ، وتحسبونهم هينًا وهو عند الله عظيم ،
وفي القرآن الكريم { ما سلككم في سقر قالوا لم نكن من المصلين ، ولم نك نطعم المسكين ، وكنا نخوض مع الخائضين ، وكنا نكذب بيوم الدين ، حتى أتانا اليقين ، فما تنفعهم شفاعة الشافعين } وما حِرمانهم من الشفاعة إلا دليل واضح على كفرهم وردتهم ، وخسارتهم الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين ،
وأما رسولنا صلى الله عليه وسلم فقد أعلنها صريحة ، لاتقبل التأويل ، فقال عليه الصلاة والسلام:"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر"وقال أيضا:"بين الرجل وبين الشرك و الكفر ترك الصلاة"وأما عبدالله بن الشْقِيق رحمه الله فينقل موقف صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ينقل موقفهم من تارك الصلاة فيقول: ( ما كان اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا يعدون شيئا تركه كفر إلا الصلاة ، ) وهو كما ترى أخي المسلم: موقف صارم لامويعة فيه ولاتردد ،
فترك الصلاة أيها الناس كفر ورده ، وسفه وجنون ،
وأما الذين لايعرفون الكفر وما معناه: فالكفر جحيم لاينقضي ، وعذاب لاينتهي ، الكفر بُئسٌ وعناء ودماء وأشلاء ،الكفر زفرات وآهات ، دموع وعبرات ، {فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم ، يصهر به مافي بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق } { والذين كفروا لهم نار جهنم لايقضى عليهم فيموتوا ولايخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذقوا فما للظالمين من نصير } { إن الذين كفروا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ، وكان الله عزيزا حكيما } {وناوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون ،لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون } فاتقوا الله يامن تتركون الصلاة ، واعلموا أن هذا مصيركم مادمتم مصرين على تركها ، متهاونين في أدائها ليعلم تاركوا الصلاة كافة ، أنهم يرتكبون خطأ قاتلا ، وتصرفًا مهلكًا ، يتوقف عليه مصيرهم كله ، وأنهم إن لم يتداركوا أنفسهم ويكفوا عن عنادهم ، فهم آيلون لا محالة إلى تلك النهاية البائسة ، وذلك الليل المظلم ، وذاك العذاب الدائم المخيف ، ليعلم تاركوا الصلاة أنهم لو انفقوا ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ، ولهم عذاب مقيم ،
إن ترك الصلاة أيها الناس ، إن ترك الصلاة والاستخفاف بها ، خطأ فادح بكل المقاييس ، وجناية مخزية بكل المعايير لاينفع معها ندم ولااتعذار عند الوقوف بين يدي الواحد القهار ،
إننا ندعوا هؤلاء بكل شفقة وإخلاص ، ندعوهم والألم يعتصر قلوبَنَا خوفًا عليهم ورأفت بهم ، ندعوهم إلى إعادة النظر في واقعهم ، ومُجريات حياتهم ، ندعوهم إلى مراجعة أنفسهم وتأمل أوضاعهم قبل فوات الأوان ، إننا ننصحوهم بألا تخدعوهم المظاهر ، ولايغرهم ما هم فيه ، من الصحة والعافية والشباب والقوة ، فما هي إلا سراب بقيعة ، يحسبه الظمأن ماءً أو كبرق خُلب سرعان مايتلاشى و ينطفي ويزول ، فالصحة سيعقبها السقم ، والشباب يلاحقه الهرم ، والقوة آيلة إلى الضعف ، ولكن أكثر الناس لايتفكرون ،
ليتذكر تاركوا الصلاة أنهم صائرون إلى قبور موحشة ، وحفر مظلمة ، وأنه لاينفع ساعتها مال ولابنون ، ولاصديق ولاصاحب ،
ليعلم تارك الصلاة ، أن أصحابه الذين غروه ، غروه في ترك الصلاة وإضاعة فريضة الله ، وزينوا له محاكاتهم وتقليدهم ، ليعلم جيدا أنه حين يفارقوهم ، فلن يذرفوا عليه سوى دموع التماسيح ، يعودن بعدها ، إلى مزاميرهم وطربهم وأنسهم ، غير مكترثين به ، ولا بألف من أمثاله ، إنهم أنانيوا الطباع ، ميتوا الإحساس ، لاهم لهم إلا أنفسهم وملذاتهم ، ولو فقدوا الآباء والأمهات ، فضلًا عن الأصحاب والخِلان ،
فاستيقض ياهذا من غفلتك ، وتنبه من نومتك ، فالحياة قصيرة وإن طالت ، والفرحة ذاهبة وإن دامت ،
{ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك } { ياأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه } الإسلام ياهؤلاء ليس بالأسماء والصور ، وليس بالدعوى والأماني ، ولكنه قول واعتقاد وعمل ، وأما الدعوى فستذهب أدراج الرياح ، ستذهب أدراج الرياح هباءً منثورا ، لاتزيد صاحبها إلا حسرة وثبورا ،
أيها المسلمون: وصنف آخر من الناس يؤخرون الصلاة عن وقتها ، فهم يؤدونها حسب أهوائهم وتبعا لأمزجتهم ، ووفقا لظروفهم ،فإذا كانوا نائمين أدوها عند الإستيقاض ، وإذا كانوا مشغولين أدوها عند الفراغ ، فالصلاة أمر ثانوي في حياتهم ، وشيء ساذج في أذهانهم ، وما درى هؤلاء الواهيمون ، أنهم المعنيون ، بقوله تعالى { فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون } قال مسروق رحمه الله: ( أي لايفعلون الصلاة في وقتها المشروع ، ) وعند البخاري عن الزهري قال: ( دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي ،فقلت ما يبكي ، فقال:لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة ، وهذه الصلاة قد ضُيعت ، ) يعني أُخرت عن وقتها ، فتأمل رعاك الله ، تأمل مشهد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيناه تذرفان ، ألمًا وحسرة ، حين أخذ بنو أمية ، يأخرون الصلاة عن وقتها ، مما أدما قلوب الغيورين على الصلاة ، وأسخن دموعهم ، وأثار حفِظتهم ، ومع ذلك كله ، فقد حرص الأسلاف ، حرص الأسلاف على أدائها في وقتها المشروع ، وأن عرّضوا أنفسهم لبطش بني أمية وانتقامهم ، فعند عبدالرزاق عن عطاء أنه قال: ( أخر الوليد بن عبدالملك ، أخر الجمعة حتى أمسى فجأت فصليت الظهر قبل أن أجلس ، ثم صليت العصر وأنا جالس إماء وهو يخطب ، ) وأخرج أبو نعيم من طريق محمد بن أبي إسماعيل قال:( كنت بمنى ، وصحف تقرأ للوليد ، فأخروا الصلاة فنظرت إلى سعيد بن جبير وعطاء ، يومئان إماءً وهما قاعدان ،
كما أخرج عن ابن عمر أنه كان يصلي مع الحجاج فلما أخر الحجاج الصلاة ترك الصلاة معه ، )وهذه آثار عن السلف ، تبين شدة حرصهم على أداء الصلاة في وقتها ، بالرغم من شدة بطش الوليد ، والحجاج بن يوسف الثقفي ، الذي كان يسفك الدم الحرام ، كان يسفك الدم الحرام بمجرد الشبهة ، فالحالة النشاز التي كان يصنعها بنو أمية ، لم تجعل فقهاء السلف وعلمائهم لم تجعلهم يوافقونهم في شذوذهم ذاك ، ولكنهم حريصوا كل الحرص ، واجتهدوا غاية الإجتهاد ، في حفظ صلواتهم وصونها ورعايتها ، مع أن حرصهم ذاك ، كان سيكلفهم حياتهم وأرواحهم ،
فأين المؤخرون اليوم للصلاة ! أين هم عن تلك القمم السامقة ، والقدواة النادرة ، بل أين هم عن غيرة عمرَ يوم الخندق ، يوم جاء مغضبا حزينا مهموما مغموما ، يسب المشركين ، ويقول يا رسول الله: ما كدت أصلي العصر حتى غربت الشمس ، أين هؤلاء من غيرة عمر هذه ، أما يسأل الواحد منهم نفسه ؟
تُرى ما الذي أهمه ؟ ما الذي أغمه ؟ ما الذي أضاق صدره ؟ وكدر خاطره ؟ وأحزن قلبه ، وألهب فؤاده ؟ ثم ما الذي جعله يؤخر الصلاة عن وقتها ، ألاِ أنه مشغول بسقي حديقة منزله ، أم لأنه مشغول بإصلاح عطل في سيارته ، ام لأنه مشغول محرج بضيف ثقيل يتناول الشاي في مجلسه ، والجواب حاشا لله أن تحول أمور تافهة كهذه ، بين الفاروق وبين أدءه الصلاة ، في وقتها المعتاد المشروع ، ولكن شُغله الذي شغله هو الجهاد في سبيل الله والدفاع عن مد ينة رسول الله ، ومع ذلك فهو مغضب محزون ، مهموم مغموم ، فقد كان حب الصلاة وحرصه عليها ،يجري في دمه ، وينبض مع عروقه ، أليس هو الذي يطعن بخنجر أبي لؤلؤة المسموم فيُحمل إلى بيته ، بين الحياة والموت ،فيقولون يا أمير المؤمنين: الصلاة الصلاة ، فيقول نعم الصلاة لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة ، لم ينس المسلمون الصلاة ولم ينسه عمر مع شدة الكرب وهول الفجيعة ، وإن تعجب أخي المسلم ، تعجب من مواقف عمر هذه ، فعجب موقف ابن الزبير والحجاج محاصر له في البيت الحرام ، ويتخلى عنه أكثر أعوانه ، فلا يمنعه ذلك من النهوض إلى مصلاه ، في كل وقت غير مكترث أو مبالٍ ، بعدوه الحقود ، الذي كان يطلب حياته بأي ثمن ، حتى لو أحرقت الكعبة ، وسالت أروقة المسجد الحرام دما زكيا ، ولعمر الحق ما ترك ابن الزبير صلاة واحدة في وقتها طيلت حصار الحجاج له ، حتىهوت عليه قذيفة ألزمته الأرض بعد ذلك ، لقد كانوا يقدرون الصلاة حق قدرها ، ويرعونها حق رعايتها ، ويؤدونها في أوقاتها ، مهما أدلهم الخطب ، وتأزمت المواقف ، ولماذا لايؤدونها في أوقاتها وصوت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلجل في آذانهم ، ويصول في قلوبهم وهو يقول ، كما عند البخاري من حديث بريدة:"من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله"فرحماك يا إلاهي من ترك صلاة واحدة حبط عمله ، فكيف بمن يؤخر صلاتين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة كل يوم ،
فا تقوا الله يامن تؤخرون الصلاة عن وقتها وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ، فاستيقظوا من سباتكم
يا هؤلاء ، وأفيقوا من أحلامكم ، واعتقوا رقابكم من غضب الله وناره وجحيمه ونكاله ،
وأما النائمون ، عن صلاة الفجر والعصر خاصة ، فعند البخاري وأحمد من حديث سمرة قال عليه الصلاة والسلام في حديث الرؤيا الطويل ، أتاني الليلة آتيان ، وإنهما ابتعثاني ، وإنهما قالا لي انطلق ، فانطلقت معهما وإنا أتينا على رجل مضطجع ، وإذا آخر قائم عليه بصخرة ، وإذا هو يهوي بالصخرة على رأسه ، فيثلغ رأسه ،ثم يتبع الحجر فيأخذه ، فلا يرجع إليه حتىيصح رأسه كما كان ثم يعود إليه فيفعل به مثل ما فعل به في المرة الأولى ، وفي آخر الحديث:"أُوّل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذ الذي يضرب رأسه بالصخرة ، فقيل هو الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة"
أرأيت ، أرأيت يا من تنام عن صلاة الفجر ويا من تنام عن العصر أرأيت ما ينتظر من العذاب ، وأنت غافل لاه ، لاتدري ماذا يراد بك ، وماذا يهيأ لك ، فا تق الله وألق عن نفسك الكسل والخمول ،
فالمسألة ليست أحاديث صبيان ولا الاعيب مراهقين ، ولكنها جدٌ ورب الكعبة ، وإنّ غدًا للناظره قريب ..
بارك الله لي ولكم ...
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الناس: فأما الصنف الثالث من الناس فهم أقوام حريصون كل الحرص على أداء الصلاة في أوقاتها بكل حماس وإصرار لكن حماسهم يخبُ وإصرارهم يضعف ، عن أداء الصلاة مع جماعة المسلمين في المساجد ، فإبراءً لذمتنا وإخلاء لعُهدتنا أمام الله نسوق إليهم هذه الأدلة الثابتة ،والحجج الراسخة ، التي تؤكد وجوب صلاة الجماعة في المساجد ، وأن من يظن غير هذا فهو يعيش وهما كبيرا كبيرا ، ويرتكب خطأ فادحا وفي مقدم تلك الأدلة وأبلغها أثرًا ما أوجبه الله تعالى على المجاهدين وهم يخوضون غمار المعركة في أحلك ساعات النزال ، ما أوجبه الله عليهم من لزوم الجماعة ، فهو القائل جل وعلا { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ، }
أرأيت أيها المبارك: أرأيت كيف فرض الله الجماعة في أحلك الظروف وأحرج المواقف ، طائفة تصلي ، وأخرى تحرس ، ثم تتغير المواقع ، فالتي كانت في الصلاة تنتقل للحراسة ، والتي كانت في الحراسة تنتظم في الصلاة جماعة ، كل ذلك والعدو متربص متحفز قد أقبل بخيله ورجله ، وقضه وقضيضه ،
تأمل أيها الأخ الكريم ، بعين الإنصاف والتجرد ، كيف أوجب الله الجماعة في تلك الظروف العصيبة ، حيث تخضبت السيوف بدمائها ، وتطايرت الرؤوس عن أعناقها ، فكيف يكون الحال ، كيف يكون الحال إذًا لللآمنين في بيوتهم ، المطمئنين بين أهليهم وذراريهم ، ندع الإجابة لك أيها اللبيب ، ولا نحسبك إلا منصفًا ، تقول الحق ولو على نفسك ، أما الحديث المتفق على صحته ففيه يقول عليه الصلاة والسلام:"لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة ، ـ يعني لا يشهدون الجماعة ـ فأحرق عليهم بيوتهم في النار"وجاء بصيغة أُحرق لإفادة التكثير والمبالغة ، يا سبحان الله ، رسول ل الله الذي وصفه ربه بأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم يهم بإحراق البيوت على أهلها حين تخلفوا عن الجماعة ، فأي شيء يدل عليه ذلك ، إلا كونها واجبة متعينة في المسجد ، وأن أدائها في البيوت ذنب عظيم ، وجرم خطير ، وخطأ فادح بكل المقاييس ، كيف لا وقد جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا"من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر"رواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي ، وعند أبي داود وابن حبان"قالوا يا رسول الله وما العذر ؟ قال: خوف أو مرض"
إذًا فليس من العذر في ترك الجماعة يا مسلمون حب الراحة والاسترخاء أو شرب القهوة والشاي ، أو مطالعة الصحف والمجلات ، أو استقبال الضيوف أو تودعهم ، بل ليس من العذر في ترك الجماعة ، قراءة القرآن أو الطواف بالبيت الحرام ، وأي عذر لهؤلاء ، وقد جاء الأعمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
جاء يشكو بُعد داره ، ووعرة طريقه ، وفقدانه لقائد يلائمه ويسأل رخصة أن يصلي في بيته ، فيقول له الرؤوف الرحيم أتسمع النداء قال نعم ، قال: أجب فإني لا أجد لك رخصة ! أفتكون الرخصة إذًا لذوي السمع الرهيف ، والبصر الحاد ، أفتكون الرخصة لمن أحاطت بهم المساجد من كل جانب ، وذللت لهم الطرق ، وعبدت لهم الشوارع ، سبحانك هذا بهتان عظيم
فاتقوا الله أيها الزاهدون في الجماعة ، وتذكروا أحوال أسلافكم ، وكيف كانوا شديد الاهتمام بها ، عظيم الخوف عليها ، تذكروا موقف الخليفة الشهيد ، عثمان رضي الله عنه ، وقد حاصره السبئيون في المدينة ، يطلبون دمه ، ويمنعونه من إمامة الناس ، فلا يمنعه حصارهم إياه ، وظلمهم له ، وخروجهم عليه ، من الصلاة خلفهم حرصا على الجماعة ، وإبراء للذمة ، عند البخاري من حديث عبيد الله بن عدي أنه دخل على عثمان وهو محصور ، فقال له يا إمام: إنك إمام عامة ، ونزل بك مانرى ، ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج ، فقال رضي الله عنه: الصلاة أحسن ما يعمل الناس ، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم ، وإذا أساؤا فاجتنب إساءتهم ،
أيها المسلمون: لقد آن الأوان أن نعيد النظر في أوضاعنا ، ونصحح مفاهيمنا وأخطاءنا ، ونقّوم سلوكنا وتصرفاتنا ، فنحن أمة خُلقت لتكون قائدة ، ووجدت لتكون رائدة ، والقيادة والريادة ، لا تحصلان لأمة ،
ما زالت تناقش أعظم شعائر دينها ، هل هي واجبة في الجماعة أم لا ؟ وهي مسألة محسومة منذ زمن طويل ، محسومة في كتاب الله ، وسنة نبيه ، بكل إشراقة ووضوح ، فلماذا يصر أقوام على الجدال بالباطل ، والمدافعة بغير الحق ، جريا وراء بعض شذوذات بعض الفقهاء ، وموافقة لدواعي النفس والهوى ،
ألا إنها دعوة إلى عمارة بيوت الله بالذكر والتسبيح وصلاة الجماعة ، ألا إنها دعوة إلى الجنة ، فوق مراكب من التقى والعمل الصالح ، والتوبة النصوح ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ،
اللهم
عباد الله إن الله ..
عباد الله إن الله يأمر ...
الخشوع في الصلاة
فأما الصنف الرابع من الناس فهم أُناسٌ فضلا ، وقوم عقلا ، أدركوا أهمية الصلاة ، وأمنوا بوجوبها ولزومها فحافظوا عليها مع جماعة المسلمين ، بكل قناعة وإقبال ، ولكنهم وللأسف الشديد ، يفتقدون الخشوع في صلاتهم ، فيأدونها بطريقة آلية ، وحركات اعتيادية ، دون استشعار لروحها ، أو تذوق لجمالها ، أو إدراك لمراميها أو استحضار لهيبة الموقف بين يدي الله جل جلاله ، فلا غرو إذًا والحالة هذه ، أن تجد التناقض صارخا في تناقضاتهم ، والأثر الإيجابِ محدودا في حياتهم ، فل ربما جاهر بعضهم بذنوبه ، واستعلن بأخطائه ، وعاقر شيئا من الكبائر ، وهنا تبرز علامات استفهام حيرة ، ترى ألم يقل الباري جل جلاله {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } فما بال هؤلاء لم تنههم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر ، مابالهم على سبيل المثال ، يعقون والديهم ، ويقطعون أرحامهم ، ويظلمون أزواجهم ويسؤن الجوار ، مابالهم يغشون في بيعهم وشرائهم ، ويكتمون عيبوب السلعة ، ويخفون زيفها ونقصها ، ما بالهم يثلبون أعراض الناس ، ويمارسون الغيبة والنميمة والكذب ، ما بال هؤلاء جميعا ، لم تنههم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر ، أليس الله يقول: { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } فأين مكمن الخطاء يا ترى ؟ والجواب أيها المسلمون: أن الصلاة التي قصدها الله ، وأخبر أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، ليست هي الصلاة التي يصلها هؤلاء المذنبون ، المصرون على منكراتهم ومعاصيهم وفواحشهم ، الصلاة التي قصدها ربنا ، ليست هي التي يصلها كثير من الناس اليوم ، والتي لاتعدو كونها مجرد حركات وتنقلات وتمتمات وتفوهات ، لاروح فيها ولاحياة ، ولاطمئننة ولاخشوع ، ولاسكينة ولاخضوع ، فالذهن في شرود ،والقلب في غفلة ، والنفس في حيرة ، والبصر في جولة ، والجوار في عبث ، يقف أحدنا في صلاته ، لايدري كيف وقف ، ولماذا وقف ؟ وبين يدي من يقف ؟ ويدخل أحدنا صلاته ، فيتذكر كل شيء إلا الصلاة ، ويعي كل شيء إلا الصلاة ، ويفكر في كل شيء إلا الصلاة ، فقل لي بربك ، ما قيمة صلاة كهذه ، وأي أثر يرجى من وراءها ، وكيف يمكن أن تنهى صلاة كهذه ، عن الفحشاء والمنكر ، والإثم والبغي والعدوان ، أجيبوا أيها المصلون ؟
أيها المسلمون: إن الصلاة التي قصدها الله وأخبر بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، تختلف كثيرا كثيرا
كثيرا عن صلاتنا هذه ، الصلاة التي قصدها الله ، هي الصلاة الخاشعة الخاضعة ، التامة الكاملة ، التي يقدرها المصلي حق قدرها ، ويحسب لها ألف حساب ، ويحمل لها في قلبه أعظم مكانة ، ويبدأ استعداده لها واهتمامه بها ، من حين دخول وقتها ، وشروعه في التطهر لها ، إنها الصلاة التي يستجمع فيها المصلي قلبه وقالبه ، وأحساسه وشعوره ، ويعرف بين يدي من يقف ، ومن يناجي ويخاطب ، ولمن يركع ويسجد ، إن الصلاة التي قصدها الله هي صلاة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وأصحابه الأماجد ، واتباعه الأفاضل ، ففي الأثر عن عائشة رضي الله عنه كان عليه الصلاة والسلام يباسطنا ويمازحنا ويحدثنا حتى إذا حانت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه ، وليس أحد أعرف بالله من رسوله ونبيه ، وقال مطرف بن عبدالله عن ابيه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ، وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء"رواه أبوداود والنسائي وجماعة وقال ابن حجر اسناده قوي ، وكان أبو بكر رضي الله عنه كان إذا قام إلى صلاته ، كأنه وتد من الثبات والخشوع وكان إذا جهر فيها بالقراءة خنقته عبرته من البكاء ، وأما عمر وما أدراك ما عمر فكان إذا قرأ لم يكد يسمع من خلفه من الشهيق والبكاء ، فعند البخاري عن عبدالله بن شداد قال سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف بقرأ { إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله } وكان الإمام علي رضي الله عنه إذا حانت الصلاة يضطرب ويتغير فلما سأل عن ذلك ما بالك يا إمام ؟ قال: لقد آن آوان أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ، وحملتها أنا . وكان علي بن الحسين العابد الزاهد كان إذا توضأ أصفر وجهه وتغير فقيل له في ذلك ؟ فقال أتدرون بين يدي من سأقف ؟ وكان عطاء بن أبي رباح كان يقوم إلى صلاته فيقرأ مئتي آية من سورة البقرة ، لايزول منه شيء ولايتحرك ، هكذا كانت صلاة القوم فهل تشبهها صلاتنا اليوم ، يأتي أحدنا المسجد وقلبه مشحون بمشاغل الدنيا وهمومها ، وزخرفها وبهرجها ، وفتنتها وزينتها ، فيصطف خلف الإمام فلا يدري ماذا يقول هو وماذا يقول الإمام ، ولايشعر إلا وقد انقضت الصلاة ، وانتهت المناجات ، فيخرج كما دخل ويدخل كما خرج ، فلا نفس اطمئنت ولا قلب خشع ،"
أيها المسلمون: إن قضية الخشوع في الصلاة ، قضية بالغة الأهمية عظيمة الشأن ، فحين ذكر الله أوصاف المؤمنين ، كان الخاشعون على رأس القائمة ومقدمة الصفوف وأقرأ إن شئت { قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون } أما الحديث الصحيح الذي رواه الحاكم ففيه ما يحرك النفوس ، ويأجج الحماس ، إلى طلب الخشوع بكل ثمن ، فعن عقبة مرفوعًا:"مامن مسلم يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقوم في صلاته فيعلم ما يقول ـ أي يعي ويتدبر ـ إلا انفتل كيوم ولدته أمه"أي خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ، ولقد شدد أسلافنا أحبة الكرام شددوا في أولئك النقارين الذين ينقرون صلاتهم ويعبثون بجوارحهم ويجرحون فريضتهم فقد أكر حذيفة رضي الله عنه على رجل لايخشع في صلاته ، ولا يتم ركوعها وسجودها فقال يا هذا لمت على هذه الصلاة لمت على غير الفطرة"رواه البخاري وكان عمر رضي الله عنه يقول إن الرجل ليشيب عارضه في الإسلام وما أتم لله صلاة قيل وكيف ذلك يا أمير المؤمنين: قال لايتم خشوعها وخضوعها وأما نبينا عليه الصلاة والسلام فحسبك قوله إنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها"
أيها المسلمون: لقد تحدثنا فيما مضى عن ثلاثة أصناف من الناس ، أما الصنف الأول فهم تاركوا الصلاة ، وأما الصنف الثاني فهم المؤخرون لها عن وقتها ، وأما الصنف الثالث: فهم الذين لايشهدون الجماعة وذكرنا اليوم الذين لايخشعون في صلاتهم فتم لنا أربعة أصناف من الناس