{لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا} إسم الخطيب: الشيخ عكرمة صبري
تاريخ الخطبة: 9/8/2002
ملخص الخطبة
1-سبب نزول قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} . 2- القرآن يكشف المنافقين ويبين سريرتهم. 3- انتشار ظاهرة سب الدين وسب الله عز وجل. 4- هذه الظاهرة سبب كثير من النكبات التي تصيبنا. 5- الحمية للآباء والأجداد أكثر من الحمية للدين. 6- حكم سب الدين وكذا سب الله عز وجل. 7- دور الجميع في محاربة هذه الطامة. 8- الزواج العُرفي ومحاذيره.
نص الخطبة
الخطبة الأولى
الحمد لله الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وأنعم علينا بالإيمان، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده رب السماوات والأكوان العزيز الغفار المنان. اللهم اجعل في بصرنا نورًا، وفي سمعنا نورًا، وفي قلبنا نورًا، اللهم اشرح لنا صدورنا، ويسر لنا أمورنا، اللهم إنا نعوذ بك من وسواس الصدر وشتات الأمر، وشر فتنة ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، وشر بوائق الدهر، ونشهد أن سيدنا وقائدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله الذي دعا أول ما دعا إلى التوحيد وإلى الألوهية والإيمان وحارب الشرك والأصنام والأوثان، صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين وصحابته الغر الميامين ومن تبعهم واقتفى أثرهم وسار على دربهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيقول الله عز وجل في محكم كتابه: {يَحْذَرُ ?لْمُنَـ?فِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ ?سْتَهْزِءواْ إِنَّ ?للَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ % وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِ?للَّهِ وَءايَـ?تِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءونَ % لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـ?نِكُمْ} [التوبة:64-66] ، صدق الله العظيم.
أيها المسلمون، أيها المؤمنون، هذه الآيات الكريمة من سورة التوبة، ومن أسمائها سورة براءة، وهي مدنية، وأما سبب نزول هذه الآيات الكريمة أن رجلًا من المنافقين على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ يستهزئ بالله سبحانه وتعالى وبالقرآن الكريم وبالرسول العظيم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وذلك حين غزوة تبوك والتي تعرف بغزوة العُسرة في السنة السابعة للهجرة، ومما قاله هذا المنافق: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء. ويقصد بمقولته هذه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه القراء، وكان عدد من المنافقين يصغون إليه ويؤيدونه فيما يقول، وهذه عادة المنافقين والمفسدين والوشاة في كل زمان ومكان.
وأما غزوة تبوك فقد وقعت في السنة التاسعة للهجرة ـ أيها المسلمون، أيها المؤمنون ـ لم يسكت المسلمون وقتئذ لمثل هذه التجاوزات وهذه الافتراءات وهذه الاعتداءات، فذهب الصحابي عوف بن مالك ليخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بما صدر عن هذه المنافق، فوجد عوف بأن القرآن الكريم قد سبقه في ذلك، وأن وحي الله قد نزل في كشف هذا المنافق، وفي كشف الذين يخضون في كلام الله ويستهزئون بالله وبالقرآن، وبرسوله، فحينما أحس هذا المنافق بورطته أخذ يعتذر للرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن أنى يقبل عذره، فالله عز وجل قد قرر في هذه الآيات الكريمة عدم قبول عذره بقوله: {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـ?نِكُمْ} [التوبة:66] ، فليس كل عذر يقبل، وليست كل جريمة تغتفر.
أيها المسلمون، أيها المؤمنون، نعم إن الله عز وجل غفور رحيم، وهو سبحانه وتعالى شديد العقاب، فهذا المستهزئ الساخر قد ساقه استهزاؤه إلى الكفر، فما بالكم يا مسلمون في من يسب الدين والرب والقرآن والرسول، وعلى مسمع منكم؟
أقول ذلك لمن يخرج من أفواههم هذا السباب، أقول لهم: إن الذين يستهزئون بالله وبالقرآن وبالرسول قد حكم الله عليهم بالكفر واللعنة والطرد من رحمته الواسعة، فكيف فيمن يسبّون الذات الإلهية، يسبّون الله خالق الإنسان والأكوان، ويسبّون خير البشرية محمدًا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ويسبّون القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويسبّون هذا الدين العظيم الذي أنقذ البشرية من الكفر إلى الإيمان، ومن الضلالة إلى الهدى.
أيها المسلمون، أيها المؤمنون، إنها لعادة قبيحة رذيلة، وبدعة دخيلة منكرة، وجريمة لا تغتفر، تلك التي تنتشر في بلادنا المباركة، تلك هي سب الدين والرب، حتى نسمع الطفل الذي لا يتجاوز من العمر ثلاث سنوات يسب، فمن أين وكيف تعلم ذلك؟ لقد تعلم من البيئة، ممن هم أكبر منه سنًا، وغالبًا ما يسمع هذه المسبات من أبيه أو من أمه أو من جيرانه، ويقول رسولنا الأكرم في حديث مطول: (( ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووِزر من عمل بها من بعده، من غير أن يَنقص من أوزارهم شيء ) )، فالإثم يلاحق الشخص الذي أدخل هذه المسبات إلى بيته، وأوصلها إلى جيرانه، حتى بعد وفاته.
أيها المسلمون، أيها المؤمنون، ألا يعلم المسلمون لماذا تنزل علينا المصائب تترى؟ لماذا يسلط الله علينا أعداء الإسلام؟ إن ذلك بما كسبت أيدي الناس، فيقول عز وجل في سورة الشورى: {وَمَا أَصَـ?بَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} [الشورى:30] ، ويقول سبحانه وتعالى في سورة الروم: {ظَهَرَ ?لْفَسَادُ فِى ?لْبَرّ وَ?لْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ?لنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ?لَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم:41] ، أي لعلهم يتوبون ولعلهم يرتدعون، ولو أن الله رب العالمين يحاسب الناس في الدنيا على أعمالهم، ولو أنه يؤاخذهم ما ترك على ظهرها من دابة، فيقول عز وجل في سورة النحل: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ?للَّهُ ?لنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَل?كِن يُؤَخِرُهُمْ إلَى? أَجَلٍ مُّسَمًّى?} [النحل:61] ، ويقول سبحانه وتعالى في سورة فاطر: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ ?للَّهُ ?لنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى? ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَـ?كِن يُؤَخّرُهُمْ إِلَى? أَجَلٍ مُّسَمًّى} [فاطر:45] .
أيها المسلمون، أيها المؤمنون، أتعلمون أن أكثر البلاد انتشارًا لظاهرة سب الدين والرب، هي بلادنا المباركة المقدسة، وهذا واقع مُر علينا أن نعترف به، وبالرغم من أن نسبة التدين في بلادنا تفوق بلادًا إسلامية أخرى، إلا أن عادة سب الدين والرب منتشرة مع الأسف في بلادنا أكثر من أي بلد إسلامي.
وبعض المسلمين في الأقطار الأخرى يعيروننا بأننا في فلسطين نسب الذات الإلهية، ونسب الإسلام العظيم، ومن أجل ذلك يشمَتون بما يصيبنا.
أيها المسلمون، أيها المؤمنون، إن الملاحظ عمليًا في مجتمعنا أن الموازين انقلبت، فلو أن شخصًا سبّ دين شخص آخر فإنه لا يتأثر ولا يتحرك ولا يعتبرها إهانة، أما إذا سُب أبوه أو عائلته فإنه يثور ويغضب ويبرز أشباه الرجال، وتظهر العنتريات المزيفة والحماقات المخزية ونشاهد الهراوات والجنازير، وهذه ظاهرة من ظواهر الجاهلية الأولى، وهذه الظاهرة هي معاكسة تمامًا لأخلاق رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم الذي كان يغضب حينما تنتهك حرمة من حرمات الله، ولم يكن يغضب لنفسه، فتقول أم المؤمنون عائشة رضي الله عنها في وصف أخلاقه: (وما انتقم رسول الله لنفسه في شيء قط، إلا أن تنتهك حرمة لله فينتقم لله تعالى) .
أيها المسلمون، أيها المؤمنون، إن علماء التوحيد قد اتفقوا على أن الذي يسب الذات الإلهية أو يسب القرآن أو يسب الرسول عليه الصلاة والسلام ـ وهو واعٍ لما يقول ـ يعتبر مرتدًا، ويخرج من ربقة الإسلام، ويقول الفقهاء: إن المرتد إما أن يستتاب ويعلن توبته من جديد، ويدخل الإسلام ويغتسل ويتشهد، وإما أن يقتل ردة.
فانتبهوا أيها المسلمون، وليبلّغ الحاضر منكم الغائب، وعاهدوا الله أن تحاربوا هذه البدعة.
أيها المسلمون، أيها المؤمنون، علينا جميعًا أن نتوجه إلى الله خالق الإنسان والأكوان تائبين منيبين إليه مستغفرين، علينا أن نتكاتف جميعا على محاربة هذه البدعة المحرمة، على الآباء والأمهات، على المعلمين والمعلمات، على العلماء والوعاظ، وعلى الدعاة ورجال الإصلاح أن يعالجوا هذا الموضوع لمنع هذه الظاهرة في المجتمع، علينا أن نطهر بلادنا المباركة المقدسة من دنس هذه البدعة، علينا أن نغير نظرة المسلمين في الأقطار الأخرى تجاهنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته ) )ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فيا فوز المستغفرين.
الخطبة التانية
نحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، صلاة وسلامًا دائمين إلى يوم الدين، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أيها المسلمون، يا أبناء بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، تنتشر في بلادنا، وخاصة في مدينة القدس ظاهرة الزواج المدني، ويطلق عليه الزواج العرفي أيضًا، وإتمامًا لما أشار إليه فضيلة الخطيب في الجمعة الماضية، فإنني أؤكد ما ذكره وأتبع بمعلومات أخرى حول الزواج المدني لخطورته وانتشاره في مدينة القدس.
وهذا الزواج، وهو عبارة عن اتفاق يتم بين الشاب والفتاة على الزواج دون علم الولي أو دون موافقته ودون توثيق للعقد في المحكمة الشرعية صاحبة الاختصاص، والتي تمثل ولي الامر العام في هذا المجال، ورأي الإمام يرفع الخلاف، وإنما يتم تسجيل الزواج المدني لدى مكاتب أحد المحامين، ويدفع الزوج للمحامي مبالغ باهظة مقابل هذا التسجيل، ونسأل أولئك الذين يجرون هذه العقود أو أولئك الذين يجيزون هذه العقود، نسألهم هل ترضون ذلك لبناتكم: أن يتصرفن مثل هذا التصرف؟ إنهم يقولون للآخرين بأنه عقد شرعي، ولكن لا يقبلون ذلك على بناتهم! إذًا ما السر في ذلك أيها المسلمون؟ ما السر.
نشير إلى بعض المحاذير التي تترتب على الزواج المدني:-
أولًا: أن تصرف الفتاة في الزواج دون إذن وليها أو دون علمه يؤدي إلى تقطيع صلات الرحم، وإلى تفسخ للأسرة بشكل عام، كما أن أهل الزوج يكونون غير راضين عن ذلك أيضًا، علمًا أن موافقة ولي الأمر من شروط صحة عقد الزواج.
ثانيًا: أن اللجوء إلى مكاتب المحامين وعدم الرجوع إلى المحكمة الشرعية يؤكد أن التصرف في الزواج المدني هو تصرف شاذ غير سليم، فلو كان التصرف صحيحًا، لماذا لا يذهب الشاب إلى المحكمة الشرعية؟
ثالثًا: أن الزواج المدني يعرض حقوق المرأة إلى الضياع، فمن المحتمل أن ينكر الزوج هذا الزواج، أو من المحتمل أن يتوفي الزوج أو أن تتوفى الزوجة، فلا يوجد ضمانة لحفظ حقوق الزوجة.
رابعًا: إذا تزوج الرجل بامرأة أخرى فإنه يخشى أن يعاقب على ضوء القانون الإسرائيلي، فيلجأ هذا الزوج إلى أحد مكاتب المحامين لإجراء عقد زواج مدني على الزوجة الثانية، في حين تبقى الزوجة الثانية عزباء في نظر القانون الإسرائيلي، ولا تستطيع أن تغير هويتها إلى متزوجة، وتعتبر خليلة أو صديقة لهذا الزوج، لأن القانون الإسرائيلي يسمح للرجل باتخاذ خليلة أو صاحبة، لكن لا يسمح له بالزواج من زوجة ثانية.
أيها المسلمون، أما بالنسبة للأولاد في الزواج المدني، فأين حقوقهم؟ إما أن يسجل الأولاد في هوية أمهم التي لا تزال عزباء في نظر القانون، وبالتالي لا مجال لاستصدار شهادات ميلاد لهم، لأن أباهم غير مسجل في الهوية، وهكذا تضيع حقوق الأولاد بشكل عام، وإما أن يسجل الأولاد في هوية الزوجة الأولى كنوع من الاحتيال ليكون هناك مجال لاستصدار شهادات ميلاد لهم، ولكن ليس باسم أمهم الحقيقية، وإنما باسم الزوجة الأولى التي هي امرأة أبيهم، وينتج عن ذلك إشكالات في الميراث وفي الأنساب.
أيها المسلمون، إن الزواج المدني لا يراعي الأحكام الشرعية المتعلقة بعِدّة المرأة المطلقة، وقد حصل أن أجرى أحد المحامين عقد الزواج بين شاب وبين زوجة مطلقة لم تعتدَّ من زوجها الأول، أي قبل أن تنهي عدتها، فقد جرى العقد عليها، وهكذا تشيع الفاحشة وتختلط الأنساب وينهار المجتمع من خلال هذه السلوكيات الطائشة التمردية الانفلاتية، وكيف يتم إصلاح المجتمع بعد انهياره، فعلينا أن نكون متنبهين لهذه المحاولات الهدامة، وعلينا أن نتعاون جميعًا في المحافظة على الأسرة المسلمة وعلى توثيق الزواج والوقوف في وجه الأفكار المستوردة، ولات ساعة مندم {وَسَيَعْلَمْ ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء:227] .
اللهم آمنا في أوطاننا وفرج الكرب عنا، اللهم احم المسجد الأقصى من كل سوء، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، اللهم جنبنا الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم قوِ إيماننا وباعد عنا الكفر والفسوق والعصيان.
اللهم ارحم شهداءنا واشف جرحانا وأطلق سراح أسرانا، وعليك بمن ظلمنا وآذانا، اللهم إننا مقهوون فانصرنا، وتائهون فأرشدنا، ومشتتون فاجمعنا.
اللهم إنا نسألك توبة نصوحة، توبة وهداية وندامة قبل الممات، وراحة واطمئنانًا ورحمة عند الممات، وإكرامًا ومغفرة ونعيمًا بعد الممات.
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأعلِ بفضلك كلمة الحق والدين. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.