عنوان الخطبة
اسم الخطيب
صالح الونيان
ملخص الخطبة
1 -بعث الله الأنبياء لتزكية نفوس البشر 2 - من وسائل تزكية النفوس الخوف من الله 3 - ما جاء في الخوف من الله في نصوص شرعية 4 - اقسام الخوف 5 - كيف نستجلب الخوف من الله
الخطبة الأولى
أما بعد:
أيها المسلمون!
اتقوا الله تعالى، وارقبوه، وامتثلوا أمره ؛ فإنه للظالمين بالمرصاد.
عباد الله!
إن من المهمات التى بعث بها نبي هذه الأمة محمد تزكية النفس؛ كما قال عز وجل ممتنًا ببعثه: هو الذى بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [الجمعة:2] .
وقد علق الله تعالى فلاح العبد بتزكية نفسه، وذلك بعد أحد عشر قسمًا متواليًا؛ فقال عز وجل: والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها [الشمس:1-10] . والتزكية معناها التطهير.
عباد الله!
ومن وسائل تزكية النفس: الخوف من الله تعالى.
وإذا كان المسلم محتاجًا إلى تزكية نفسه بالخوف من الله تعالى في كل وقت؛ فإن الحاجة إليه في هذا الزمن شديدة؛ لكثرة المغريات والفتن.
والله تعالى أمر عباده بالخوف منه، وكل أحد إذا خفته؛ هربت منه؛ إلا الله؛ فإنك إذا خفته؛ هربت إليه:
قال تعالى: إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين [آل عمران:175] . فأمر الله تعالى بالخوف، وجعله شرطًا في الإيمان.
وقالى تعالى: فإياي فارهبون [البقرة:40] .
قال ابن القيم رحمه الله:"ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الخوف، وهى من أجل منازل الطريق وأنفعها للقلب، وهي فرض على كل أحد".
وقال أيضًا:"القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر؛ فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه؛ فمتى سلم الرأس والجناحان؛ فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس؛ مات الطائر، ومتى فقد الجناحان؛ فهو عرضة لكل صائد وكاسر".
عباد الله!
والخائف من الله تعالى أجره عظيم ومنزلته رفيعة:
قال تعالى: ولمن خاف مقام ربه جنتان [الرحمن:46] .
وقال عز وجل: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى [النازعات:40] .
وقال: (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله؛ اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) )1.
وقال: (( ثلاث منجيات: خشية الله تعالى في السر والعلن، والعدل في الرضى والغضب، والقصد في الغنى والفقر. وثلاث مهلكات: هوى متبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه ) )2.
عباد الله!
وكل إنسان يدعي الخوف من الله، ولكن هذا الخوف: إما أن يكون صورة، أو حقيقة ؛ فمن منعه الخوف من الله من فعل المحرمات؛ فخوفه حقيقة، ومن لم يمنعه الخوف من الله من فعل المحرمات؛ وتمادى بها؛ فإن خوفه صورة لا حقيقة، وادعاؤه كاذب.
وكنتيجة لهذا الخوف الصوري رأينا انتشار المعاصي والمنكرات في أوساط المسلمين؛ فما خاف الله حقيقة من تجرأ على محارم الله، ما خاف الله حقيقة من ترك الصلاة أو تهاون فيها، وما خاف الله حقيقة من تعامل بالربا، وما خاف الله حقيقة من استمع إلى آلات اللهو المحرمة أو اشتراها بماله أو مكن من تحت يده من استماعها أو النظر إليها أو باعها أو أعان على نشرها، وما خاف الله من شرب الدخان أو باعه، وما خاف الله من ازدرى نعم الله.
وكذلك من النساء من كان خوفها من الله صورة لا حقيقية؛ فما خافت الله من تبرجت أمام.
الرجال الأجانب أو حلت بهم أو لانت بقولها للرجال، أو كانت فتنة لكل مفتون.
وبالجملة؛ فكل من ضيع أوامر الله وارتكب نواهيه؛ فما خاف الله تعالى، وعقابه عند الله أليم.
عباد الله!
النبى - وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر - كان أشد الناس خشية لله؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله: (( إني أرى ما لا ترون، واسمع ما لا تسمعون؛ أطت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع؛ إلا فيه ملك راكع أو ساجد، لو علمتم ما أعلم؛ لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرًا، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم على(أو: إلى) الصعدات تجأرون إلى الله )). قال أبو ذر: والله؛ لوددت أني شجرة تعضد1.
عباد الله!
وكذلك كان الخوف من سمات صحابة الرسول الذين هم خير القرون؛ فعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف؛ أن عبد الرحمن بن عوف أتي بطعام، وكان صائمًا، فقال:"قتل مصعب بن عمير، وهو خير منى، وكفن في بردة: إن غطي بها رأسه؛ بدت رجلاه، وإن غطيت رجلاه؛ بدا رأسه، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط (أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا) ، وقد خشينا أن تكون حسناتنا قدمت لنا. ثم جعل يبكى حتى ترك الطعام"2.
فتفكروا عباد الله في سيرة هؤلاء واقتدوا بهم، وقارنوا بين حالنا وحال أولئك القوم ؛ فستجدون أنهم في يقظة ونحن في نوم.
عباد الله!
والخوف ينقسم إلى أقسام:
قال ابن رجب:"القدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم؛ فإن زاد على ذلك؛ بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات والتبسط في فضول المباحات؛ كان ذلك فضلًا محمودًا، فإن تزايد على ذلك؛ بأن أورث مرضًا أو موتًا أو وهمًا لازمًا؛ بحيث يقطع عن السعى في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله عز وجل؛ لم يكن محمودًا".
وقال بعض العلماء: الخوف له قصور، وله إفراط، وله اعتدال، والمحمود منه هو الاعتدال والوسط:
فأما القاصر منه؛ فهو الذى يجرى مجرى رقة النساء؛ يخطر بالبال عند سماع آية من القرآن، فيورث البكاء، وتفيض الدموع، وكذلك عند مشاهدة سبب هائل، فإذا غاب ذلك السبب عن الحس؛ رجع القلب إلى الفضلة؛ فهذا خوف قاصر، قليل الجدوى، ضعيف النفع.
وأما المفرط؛ فإنه الذي يقوى ويجاوز حد الاعتدال، حتى يخرج إلى اليأس والقنوط، وهو مذموم أيضًا؛ لأنه يمنع من العمل.
وأما خوف الاعتدال؛ فهو الذى يكف الجوارح عن المعاصي، ويقيدها بالطاعات.
وما لم يؤثر في الجوارح؛ فهو حديث نفس وحركة خاطر لا يستحق أن يسمى خوفًا.
قال بعض الحكماء: ليس الخائف الذى يبكي ويمسح عينيه، بل من يترك ما يخاف أن يعاقب عليه.
فالخوف يحرق الشهوات المحرمة، فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة كما يصير العسل عند من يشتهيه إذا عرف أن فيه سما؛ فتحترق الشهوات بالخوف، وتتأدب الجوارح، ويحصل في القلب الخشوع والذل والاستكانة ومفارقة الكبر والحقد والحسد.
اللهم! اجعلنا ممن خافك واتقاك واتبع رضاك يارب العالمين!
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
أما بعد:
أيها المسلمون!
اتقوا الله تعالى، واعلموا أن أخوف الناس لربه أعرفهم بنفسه وبربه، ولذلك قال النبي: (( الله؛ إني لأعلمكم بالله، واشدكم له خشية ) )1.
عباد الله!
وهناك أمور يستجلب بها الخوف، وهي كثيرة:
أولها - وهو الجامع لكل ما يليه: تدبر كلام الله تعالى وكلام نبيه والنظر في سيرته فهو سيد المتقين:
فإن تدبر هذا مما يعين على الخوف:
قال الله تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد [آل عمران:30] .
وقال سبحانه: ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يومًا على الكافرين عسيرًا ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلًا ياويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلًا [الفرقان:28] .
وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: سمعت رسول الله يقول: (( يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا". قلت: يا رسول الله! الرجال والنساء جميعًا؛ ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال:"يا عائشة! الأمر أشد من ذلك ) ).
الأمر الثاني مما يستجلب به الخوف: التفكر في الموت وشدته:
قال تعالي: وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد [ق:19] .
وقال: (( أفضل المؤمنين أحسنهم خلقًا، وأكيسهم أكثرهم للموت ذكرًا وأحسنهم له استعدادًا، أولئك الأكياس ) )2.
فيا أيها العاصي الذي قل خوفه من الله! أما تذكر ساعة يعرق لها الجبين، وتخرس من فجأتها الألسن، وتقطر قطرات الأسف من الأعين؟
فتذكر ذلك؛ فالأمر شديد، وبادر بقية عمرك؛ فالندم بعد الموت لا يفيد، وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد [ق:13] .
الأمر الثالث: التفكر في القبر وعذابه وهوله وفظاعته:
فعن البراء بن عازب رضي الله عنه؛ قال: كنا مع رسول الله في جنازة، فجلس على شفير القبر، فبكى حتى بل الثرى، ثم قال: (( يا إخواني ! لمثل هذا فأعدوا ) )4.
وقال بعض الحكماء:
أنسيت يا مغرور أنك ميت
أيقن بأنك في المقابر نازل
الأمر الرابع: التفكر في القيامة وأهوالها:
قال تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد [الحج:1-2] .
وقال تعالى: فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبًا السماء منفطر به كان وعده مفعولًا [المزمل:17] .
الأمر الخامس: التفكر في النار وشدة عذابها وما أعد الله عز وجل فيها لأعدائه:
قال تعالى: ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين [الأنبياء:46] .
الأمر السادس: تفكر العبد في ذنوبه:
فإنه وإن كان قد نسيها؛ فإن الله تعالى قد أحصاها، وإنها إن تحط به؛ تهلكه؛ إن وكله الله إليها، فليتفكر في عقوبات الله تعالى عليها في الدنيا والآخرة، ولا يغرن المذنب النعم؛ فقد قال: (( إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه؛ فإنما ذلك منه استدراج ) )، ثم تلا: فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون 4 [الأنعام:44] .
وقال تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد [آل عمران:30] .
وقال: (( إني لأعلم أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة البيضاء، فيجعلها الله عز وجل هباءً منثورًا ) ). قال ثوبان: يا رسول الله! صفهم لنا، جلهم لنا أن نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: (( أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله؛ انتهكوها ) )1.
الأمر السابع: أن يعلم العبد أنه قد يحال بينه وبين التوبة:
وذلك بموت مفاجئ، أو فتنة مضلة، أو غفلة مستمرة، أو تسويف وإمداد إلى الموت أو غير ذلك، وعندها يندم حيث لا ينفع الندم.
الأمر الثامن: من الأمور التي يستجلب بها الخوف من الله تعالى: التفكر في سوء الخاتمة:
فإن العبد ما يدري ما يحدث له في بقية عمره؟!
وقد كان رسول الله يقول: (( يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك ) )2.
وقال تعالى: واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه [الأنفعال:24] .
وقال: (( لقلب ابن آدم أشد تقلبًا من القدر، إذا اجتمع غليانًا ) )4.
عباد الله!
هذه بعض الأمور التي يستجلب بها الخوف من الله تعالى، وكل إنسان أعلم بنفسه من غيره من الناس؛ فإن كانت هذه الأمور موجودة فيه؛ فليحمد الله، وليسأل الله الثبات، وإن كانت مفقودة؛ فعليه أن يعمل على تحصيلها؛ فإن الأعمال بالخواتيم.
عباد الله!
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون [النحل:90] .
فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
1 متفق عليه .
2 رواه البزار والبيهقي وهو حسن بطرقه .
1 رواه أحمد والترمذى وأبن ماجه والحاكم وصححه .
2 رواه البخارى .
1 رواه البخارى ومسلم .
2 رواه ابن ماجه وهو حسن بطرقة
4 رواه أحمد وابن ماجه بإسناد حسن .
4 رواه أجمد بإسناد حسن.
1 رواه ابن ماجه بسند صحيح .
2 رواه أحمد والحاكم وصححه.
4 رواه أحمد والحاكم وصححه .