أولادنا بين البر والعقوق
عنوان الخطبة
أولادنا بين البر والعقوق
اسم الخطيب
محمد بن إبراهيم حسان
رقم الخطيب
رقم الخطبة
اسم المسجد
غير محدد
تاريخ الخطبة
ملخص الخطبة
1-قتل بعض الأبناء لآبائهم 2- خطر عقوق الوالدين 3- فضل بر الوالدين 4- حقوق الوالدين وواجباتهم 5- مسئولية التربية على عاتق الجميع
الخطبة الأولى
أما بعد:-
فإن أصدق الحديث كتاب الله ،وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
أحبتي في الله
أبناؤنا بين البر والعقوق، هذا هو عنوان لقاءنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، وكما تعودنا حتى لا ينسحب بساط الوقت من بين أيدينا سريعًا فسوف أركز الحديث مع حضراتكم تحت هذا العنوان المهم في العناصر الآتية:
أولًا: حقًا إنها مأساة.
ثانيًا: خطر العقوق.
ثالثًا: فضل البر.
رابعًا: حقوق تقابلها واجبات.
خامسًا: إنها مسئولية المجتمع.
فأعيرونى القلوب والأسماع، والله أسأل أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب.
أولًا: حقًا إنها مأساة.
لا شك أن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى حب ورعاية الأولاد، بل وإلى التضحية للأولاد بكل غالي ونفيس، فكما تمتص النبتة الخضراء كل غذاء في الحبة فإذا هى فتات، وكما يمتص الفرخ كل غذاء في البيضة فإذا هى قشرة هشة، فكذلك يمتص الأولاد كل رحيق وعافية واهتمام، فإذا بالوالدين في شيخوخة فانية، ومع ذلك فهما سعيدان.
ولكن من الأولاد من ينسى سريعًا هذا الحب والعطاء والحنان والرعاية، ويندفع في جحود وعصيان ونكران ليسيء إلى الوالدين بلا أدنى شفقة أو رحمة أو إحسان، وتتوارى كل كلمات اللغة على خجل واستحياء بل وبكاء وعويل حينما تكتمل فصول المأساة، ويبلغ العقوق الأسود ذروته حينما يقتل الولد أمه، وحينما يقتل الولد أباه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وإليك قصة غاية في البشاعة والإجرام والجحود.
لقد وقعت في إحدى قرى دكرنس جريمة مروعة شنعاء هى التى دفعتني إلى الحديث اليوم عن هذا الموضوع.
فى أسرة فقيرة تتكون من عشرة أبناء، يقضى الوالد المسكين ليله ونهاره ليوفر لأبنائه العيشة الطيبة الكريمة ويلحقهم بأرقى الكليات بالجامعة، ومن بين هؤلاء الأبناء ولد عاق، بدلًا من أن يساعد أباه في نفقات هذه الأسرة الكبيرة راح يلهب ظهر والده بالمصروفات ليضيعها على المخدرات والفتيات، فقال له والده المسكين: أى بني أنا لا أقدر على نفقاتك ومصروفاتك، دعنى لأواصل المسيرة مع إخوانك وأخواتك، وأنت قد وصلت إلى كلية العلوم فاعمل وشق طريقك في الحياة، ولكن الولد تمرد على التقاليد والقيم وعلى سلطان البيت والأسرة، بل وعلى سلطان الدين، راح هذا الولد العاق يفكر كيف يقتل أباه؟! إى والله حدث ما تسمعون!! إنه طالب في كلية العلوم راح يستغل دراسته استغلالًا شيطانيًا خبيثًا حيث أعد مادة كيمائية بطريقة علمية معينة، وأخذ كمية كبيرة، وعاد إلى البيت، وانتظر حتى نام أبوه المسكين، فسكب المادة الكيميائية على أبيه وهو نائم، فأذابت المادة لحم أبيه وبدت العظام، الله أكبر !! لا إله إلا الله !! لا إله إلا الله !!
والله إن الحلق ليجف، وإن القلب لينخلع، وإن العقل ليشط، وإن الكلمات لتتوارى في خجل وحياء، بل وبكاء وعويل، أمام هذه المأساة المروعة الشنعاء بكل المقاييس.
قد يرد الآن عليَّ أب كريم من آبائنا أو أخ عزيز يجلس معنا ويقول إنه الفقر، قاتل الله الفقر!!
والجواب: مع تقديرى لكل آبائي وأحبائي، ما كان الفقر سببًا ليقتل الولد أباه، وإذا أردت الدليل فخذ الحادثة الثانية المروعة التى طالعتنا بها جريدة الأهرام منذ أسبوعين اثنين فقط.
أسرة ثرية وصل الوالدان فيها إلى مرتبة اجتماعية مرموقة، فالأم تحمل شهادة الدكتوراه في الهندسة جلست هذه الأم المثقفة لتناقش ابنها فلذة كبدها الذى أنهى دراسته الجامعية في أمر خطيبته التى أراد أن يتزوجها، فالأم تعارض هذا الزواج لاعتبارات وأسباب ترى أنها وجيهة من واقع خبرتها ومسؤليتها تجاه ولدها، فاحتج الولد على أمه وما كان من هذا المجرم العاق إلا أن أسرع بسكين، ثم انقض بالسكين على أمه بطعنات قاتلة حتى فارقت الحياة، ما هذا؟!
والله إن الحلق ليجف، وإن القلب لينخلع، من هول هذه الصورة البشعة من صور العقوق للآباء والأمهات الذى حذر الله جل وعلا منه في أدنى صوره، وأقل أشكاله وألوانه، فقال جل وعلا: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [ الإسراء: 23-24 ] .
أيها المسلمون: أيها الأبناء: اعلموا علم اليقين أن العقوق كبيرةٌ تلى كبيرة الشرك بالله وهذا هو عنصرنا الثانى.
ثانيا: خطر العقوق.
العقوق من أكبر الكبائر ففى الصحيحين من حديث أبى بكرة t أن النبى قال: (( ألا أُنَبِّئُكم بأكبر الكبائر( ثلاثًا ) )) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: (( الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ألا وشهادة الزور، أو قول الزور ) )- وكان متكئًا فجلس - فمازال يكررها حتى قلنا: ليته سكت ( [1] )
وفى الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما أن النبى قال: (( إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه ) )فقال الصحابة: وهل يشتم الرجل والديه؟ فقال المصطفى: (( نعم يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه ) ) ( [2] ) .
انظر إلى هذا السؤال الإنكارى من الصحابة رضوان الله عليهم ،وهل يشتم الرجل والديه لا أن يقتل والديه؟ لا يتصور الصحابة في مجتمع الطهر مجرد أن يشتم الرجل والديه، فقال الحبيب المحبوب: أن يشتم رجل بأبيه فيرد هذا الرجل على الشاتم بأن يشتم أباه، وبهذا يكون الرجل سب أباه بطريق غير مباشر، وهذا الفعل من أكبر الكبائر والعياذ بالله.
أيها الأبناء: العقوق سبب من أسباب الحرمان من الجنة والطرد من رحمة الله التى وسعت كل شىء، ففى الحديث الذى رواه النسائى و البزار بسند جيد وحسنه الألبانى، ورواه الحاكم في المستدرك، وصححه على شرط الشيخين البخارى ومسلم من حديث عمر أن النبى قال: (( ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة ) )قيل: من هم يا رسول الله ؟! قال: (( العاق لوالديه، والمرأة المترجلة( [3] ) ، والديوث ( [4] ) )) ( [5] ) .
أيها الأبناء: أيها الآباء: تدبروا قول الرسول: (( ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ) )خابوا وخسروا ورب الكعبة هؤلاء هم الذين طردوا من رحمة الرحمن، التى وسعت كل شىء، وأول المطرودين: العاق لوالديه.
أيها الأبناء: أخاطبكم بكل قلبى وكيانى، يا من منَّ الله عليكم الآن بنعمة الآباء والأمهات، وأنتم لا تدركون قدر هذه النعمة، ولن تشعروا بها إلا إذا فقدتم الوالدين، أسأل الله أن يبارك في أعمار أبائنا وأمهاتنا ،وأن يختم لنا ولهم بصالح الأعمال إنه على كل شىء قدير.
أيها الأبناء: العقوق لا ينفع معه أى عمل، سواء صلاة أو زكاة أو حجًا أو صيامًا، ففي الحديث الذى رواه الإمام الطبرانى وابن أبى عاصم في كتاب السنة بسند حسن، وحَسَّنَ الحديث الشيخ الألبانى في السلسلة الصحيحة من حديث أبى أمامة أن النبى قال: (( ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفًا( [6] ) ولا عدلًا: العاق لوالديه والمنان والمكذب بالقدر )) ( [7] ) .
ولكى أختم هذا العنصر لأعرج على بقية عناصر الموضوع أقول: إن العقوق دين لا بد من قضائه في الدنيا قبل الآخرة، فكما تدين تدان، فإن بذلت البر لوالديك سَخَّرَ الله أبناءك لبرك، وإن عققت والديك سَلَّط الله أبناءك لعقوقك، ستجنى ثمرة العقوق في الدنيا قبل الآخرة، ففى الحديث الذى رواه الطبرانى والبخارى في التاريخ وصححه الألباني من حديث أبي بكرة أن النبى قال: (( اثنان يعجلهما الله في الدنيا: البغى وعقوق الوالدين ) ) ( [8] ) .
تدبر معى والدى الكريم وأخى الحبيب: هذا ابن عاق يعيش معه والده في بيته فكبر الوالد، و انحنى ظهره، وسال لعابه، واختلت أعصابه، فاشمأزت منه زوجة الابن، - وكم من الأبناء يرضون الزوجات على حساب طاعة الأمهات والآباء - فطرد الولد أباه من البيت، فَرَقَّ طفلٌ صغير من أبنائه لجده فقال له: لماذا تطرد جدنا من بيتنا يا أبى، فقال: حتى لا تتأففون منه، فبكى الطفل لجده وقال: حسنًا يا أبتي ،وسوف نصنع بك هذا غدًا إن شاء الله!! العقوق دَين لابد من قضائه.
وهذا ابن آخر يصفع والده على وجهه، فيبكى الوالد ويرتفع بكاءه، فيتألم الناس لبكاء هذا الشيخ الكبير، وينقض مجموعة من الناس على هذا الابن العاق ليضربوه، فيشير إليهم الوالد ويقول لهم: دعوه. ثم بكى وقال: والله منذ عشرين سنة، وفى نفس هذا المكان صفعت أبى على وجهه !! العقوق دَين لابد من قضائه.
وهذا ابن ثالث عاق يجر أباه من رجليه ليطرده خارج بيته، وما إن وصل الولد بأبيه وهو يجره حتى الباب ،وإذا بالوالد يبكى ويقول لولده: كفى يا بنى، كفى يا بنى إلى الباب فقط، فقال: لا بل إلى الشارع، قال: والله ما جررت أبى من رجليه إلا إلى الباب فقط !! كما تدين تدان.
أيها الأخ الحبيب اذهب اليوم إلى أبيك فقبل يديه وقدميه، وارجع اليوم إلى أمك فقبل يديها وقدميها فثم الجنة، ما أشقاها والله من حياة: حياة العقوق، وما أطيبها وأروحها وأسعدها وألذها من حياة ،آلا وهى حياة البر وهذا عنصرنا الثالث.
ثالثا: فضل البر.
أيها الحبيب الكريم. . يكفى أن تعلم أن الله جل وعلا قد قرن بر الوالدين والإحسان إليهما بتوحيده قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [ الإسراء: 23 ]
وقال تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ، وقال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [ البقرة: 83 ] .
قال ابن عباس ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاثة، لا يقبل الله واحدة بدون قرينتها.
أما الأولى فهى قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [ محمد: 33 ] .
فمن أطاع الله ولم يطع الرسول فلن يقبل منه.
وأما الثانية فهى قول الله: وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ [ البقرة: 43 ] .
فمن أقام الصلاة وضيع الزكاة لن يقبل منه.
وأما الثالثة فهى قول الله تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [ لقمان: 14 ] . فمن شكر الله ولم يشكر لوالديه لن يقبل منه.
حياة البر ما أروعها من حياة، إنها حياة السعادة والطمأنينة، إنها حياة الأمن والأمان، يالها من لذة !! فيها ستشعر بانشراح الصدر، ستشعر بالسعادة في كل الخطا، بل سيوسع الله عليك رزقك، بل سيبارك الله لك في عمرك، في حياة بر الوالدين.
البِرُّ سبب دخول الجنة:
تدبر معى كلام النبى كما في الحديث الذى رواه مسلم من حديث أبى هريرة، قال الحبيب: (( رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه ) )قيل من يا رسول الله؟ قال المصطفى: (( من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كلاهما ثم لم يدخل الجنة ) ) ( [9] ) .
الرسول يقول: رغم أنفه ثلاثًا: أى ذل وهان وتعرض للخيبة و الخذلان من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما،ثم لم يكونا سببًا في دخوله الجنة.
إياك أن تضيع هذا الخير، يا من منَّ الله عليك به الآن.
بر الوالدين من أعظم القربات إلى رب الأرض والسماوات.
اسمع كلام سيد المرسلين، ففى الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال: سألت النبى فقلت يا رسول الله: أى العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: (( الصلاة على وقتها ) )قال: ثم أى؟ قال: (( ثم بر الوالدين ) )قال: ثم أى؟ قال: (( الجهاد في سبيل الله ) ) ( [10] ) .
وفى الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر قال رجل للنبى:
أُجاهد؟ قال: (( لك أبوان؟ ) )قال: نعم. قال: (( ففيهما فجاهد ) ) ( [11] ) .
وفى رواية مسلم أن رجلًا جاء للنبى فقال: يا رسول الله جئت أبيايعك على الهجرة والجهاد فقال له المصطفى: (( هل من والديك أحدٌ حى؟ ) )قال: نعم، بل كلاهما. قال: (( فتبتغى الأجر من الله؟ ) )قال: نعم. قال: (( فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ) ) ( [12] ) .
بر الوالدين سبب تفريج الكربات:
ففى الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبى قال: (( بينما ثلاثة نفر يمشون أخذهم المطر، فمالوا إلى غارٍ في الجبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل، فأطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالًا عملتموها لله صالحة، فادعوا الله بها لعله يفرجها: فقال أحدهم: اللهم إنه كان لى والدان شيخان كبيران، ولى صبية صغار كنت أرعى عليهم، فإذا رُحتُ عليهم فحلبت، بدأت بوالداي أسقيهما قبل ولدي ،وإنه نأى بي الشجر فما أتيت حتى أمسيت، فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب فقمت عند رؤسهما، أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما، والصبية يتضاغون عند قدمى، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أنى فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء ،ففرج الله لهم فرجة حتى يرون منها السماء. .... ) ) ( [13] )
إلى آخر الحديث.
انظر جيدًا في معنى هذا الحديث لما تقرب الرجل إلى الله عز وجل ببر والديه استجاب الله دعاءه، فعليك ببر الوالدين بإخلاص تكن مستجاب الدعوة.
أيها الأحبة الكرام: معلوم أن بر الأم مقدم على بر الأب ففى الصحيحين من حديث أبى هريرة جاء رجل إلى رسول الله فقال: (( مَنْ أحق الناس بحسن صحابتى؟ قال: (( أمك ) )قال: ثم من؟ قال: (( أمك ) )قال: ثم من؟ قال: (( أمك ) ). قال: ثم من؟ قال: (( أبوك ) ) ( [14] ) .
بل وتدبر معى هذا الحديث الرقيق الرقراق الذى رواه البيهقي ورواه ابن ماجة وحسنه شيخنا الألبانى في السلسلة الصحيحة من حديث معاوية بن جاهمة، أن جاهمة عندما جاء إلى النبى فقال: يا رسول الله أردت أن أغزو - أى في سبيل الله وقد جئت أستشيرك، فقال: (( هل لك أم؟ ) )قال: نعم. قال: (( فالزمها، فإن الجنة عند رجلها ) ) ( [15] )
وقد يتحسر الآن أباؤنا وأحبابنا ممن حرموا من نعمة الوالدين لذا أسوق إليهم حديثًا ربما وجدوا فيه العزاء: وللأمانة العلمية التى عاهدنا الله عليها ففى سنده على بن عبيد الساعدى، لم يوثقه إلا ابن حبان وبقية رجال السند ثقات عن أبى أسيد مالك بن ربيعة الساعدى قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله هل بقى علىَّ من بر أبوي شىء أبرهما بعد موتهما؟ فقال: (( نعم الصلاة عليهما- أى الدعاء لهما والترحم عليهما، والاستغفار لهما- وانفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التى لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما ) ) ( [16] )
فيجب علينا أن ندعو لأبائنا ونستغفر لهما ونحج عنهما ونتضرع إلى الله بالدعاء لهما فنقول: ربى ارحمهما كما ربيانى صغيرا.
فلقد كان السلف رضوان الله عليهم إذا ماتت أم أحدهم بكى وقال: ولم لا أبكي وقد أغلق اليوم علىَّ باب من أبواب الجنة.
رابعًا: حقوق تقابلها واجبات..
كما أن للوالدين حقوقًا على الأبناء فإن للأبناء حقوقًا على الآباء، كم من آباء، وكم من أمهات قد ضيعوا الأبناء ؟! إن التربية منذ أول اللحظات مسئولية كاملة للوالدين بل و قبل أن يأتى الولد للحياة، فالوالد مسئول عن هذا الابن الذى لم يأتى بعد، كيف ذلك ؟! أن يحسن اختيار أمه التى يجب أن تربيه بعد ذلك على الصلاح والفضائل.
أحبتى في الله:
أسألكم بالله أن تتدبروا معى هذه الكلمات التى سأطرحها على حضراتكم، ماذا تقولون لو قلت لحضراتكم الآن: بأن أبًا قد عاد اليوم إلى بيته فأخرج ورقة وكتب عليها استقالة لزوجته من تربية أبنائه ؟!! حتمًا سيتهم هذا الوالد بالجنون.
أقول وماذا تقولون لو أن أمًّا قد عادت اليوم من عملها إلى بيتها فسحبت ورقة وكتبت عليها استقالة لزوجها من تربية الأبناء ؟!! حتمًا ستتهم هذه المرأة بالجنون، بل وقد يفكر هذا الوالد المسكين في طلاقها.
فماذا تقولون لو قلت لحضراتكم بأن نظرة صادقة إلى الواقع الذى نحياه تقول بأن استقالة جماعية قد حدثت في بيوت المسلمين؟ نعم لقد استقال كثير من الآباء تربويًا، واستقالت كثير من الأمهات تربويًا، الوالد المسكين يظن أن دوره يتمثل في أن يكون وزيرًا للمالية والنفقات، طوال النهار في التجارات والسفريات والأعمال أو على المقاهى والمنتديات فإذا ما حَلَّ الليل رجع لينام أو ليسهر أمام التلفاز، ما فَكَّر مرة أن يخلوا بأولاده يطمئن على أحوالهم.
أنا لا أقول فَرِّغ كل وقتك لولدك لأننى أعلم ظروف الحياة وأعلم الحالة الاقتصادية الطاحنة التى ترهق ظهور الآباء.
لكن أقول: والله إن جلوس الأب بين أبنائه وهو صامت لا يتكلم فيه من عمق التربية ما فيه، فما بالكم إذا تكلم فَذَكَّر بجنةٍ، وحَذَّرَ من نارٍ، وحل مشكلة، ووجه نصيحة، وأشعر أولاده أنه يشعر بهم و بأحاسيسهم، وسأل عن صديق الولد، وسأل عن صاحبة البنت، بكل حنان ورحمة وأُبوَّة حانية.
والله يا أخوة لقد جاءنى في الأسبوع الماضى شاب تزين اللحية وجهه وهو يكاد يبكى، قلت له: لماذا؟ قال: إن أبى يقسم علىَّ بالله إن ذهبت إلى المسجد فسوف يطردنى من البيت!! أيها الوالد أنت مسئول أن تربى ابنك من أول لحظة.
مشى الطاووس يومًا باختيالٍ فقلد مشيته بنوه
فقال: علام تختالون؟ قالوا لقد بدأت ونحن مقلدوه
يشب ناشىء الفتيان منا على ما كان عَوَّده أبوه
أيها الوالد الكريم: إذا ربيت ولدك على الفضائل، والأخلاق الكريمة والصلاح منذ نعومة أظفاره، شب حتمًا على هذه الفضائل والأخلاق، نعم قد يقول لى والد: إننى أربى ولدي في البيت وسيخرج إلى الشارع ليعود وقد طُمِس بناؤه الجميل الذى اجتهدت في تزينه وتجميله، سأقول لك أبشر واطمئن فما دام الأصل سليمًا وما دام الجوهر نقيًا، فسرعان ما يزول هذا الغبش الذى تأثر به ظاهره، وسرعان ما يعود إلى أخلاقه وجوهره النقي، الذى اجتهدت في تأصله في بيتك على كتاب الله و سنة رسول الله .
أيها الوالد الكريم: ابنك أمانة، اجتهد لا تضيع ولدك فسوف تسأل عنه. قال تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [ التحريم: 6 ]
وفى الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبى قال: (( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل في أهل بيته راع ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته ) ) ( [17] )
وتزداد المأساه يا مسلمون إذا انضم إلى استقالة الآباء استقالة الأمهات، فالأم هى الحضن التربوى الطاهر، الأم هى المدرسة الأولى للتربية، ماذا تقولون لو أغلقت المدرسة الأولى للتربية ؟! ألا وهى مدرسة الأم.
ليس اليتيم من انتهى أبواه وخلفاه في هم الحياة ذليلًا
إن اليتيم هو الذى ترى له أمًا تخلت أو أبا مشغولًا
ماذا تقولون لو علمتم كما ذكرت لحضراتكم أن من الآباء من يمنع ولده من الذهاب إلى المسجد أو يمنع ولده من الذهاب إلى مجالس العلم؟ نعم أسأل الله أن يجعلنى من المنصفين، أنا لا أريد أن أقلل الآن - بعد ما أصلّت ما لوالدين من حقوق - من شأنهما عند أبنائنا وإخواننا، وإنما أود أن أقول لإخواني وأبنائي قد يأمرك الوالد بذلك من منطلق الخوف عليك، وهذا هو الواقع، فالولد قرة عين أبيه، وثمرة فؤاده، فإن أمر الوالد ولده بذلك فليعلم الوالد الكريم أن المعصية أكبر، وبأنه سيزداد خوفه بصورة أكبر إذا منع الولد من معرفة طريق المساجد، وإذا حال بين الولد وطريق السنة، وسوف يبكى الوالد دمًا بدل الدموع إذا رأى ولده يحقن نفسه بحقنة مخدرات أو يتعاطى المخدرات أو يمشى مع فتاة في الحرام ولا حول ولا قوة إلا بالله، لذا أذكر آبائي الكرام بأن يفتحوا الباب على مصراعيه لأبنائهم، وليسلكوا طريق سنة النبى .
أيها الأحباب الكرام: إن للوالدين حقوقًا على الأبناء، وإن للأبناء حقوقًا على الوالدين وهناك من الوالدين من يقع في عقوق ولده قبل أن يقع ولده في عقوقه.
جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين أشكو إليك عقوق ولدي، فقال: ائتنى به، فجاء الولد إلى عمر ، فقال عمر: لم تعق أباك؟ فقال الولد: يا أمير المؤمنين ما هو حقي على والدي؟ فقال عمر: حقك عليه أن يحسن اختيار أمك، وأن يحسن اختيار اسمك وأن يعلمك القرآن. فقال الولد: والله ما فعل أبي شىء من ذلك، فالتفت عمر إلى الوالد وقال: انطلق لقد عققت ولدك قبل أن يعقك.
وأخيرًا حتى لا أطيل عليكم إنها مسئولية الجميع، أرجىء الحديث عن هذا العنصر إلى ما بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
( [1] ) رواه البخاري رقم ( 2653 ) فى الشهادات ، باب ما قيل في شهادة الزور ، ومسلم رقم
( 87 ) في الإيمان ، باب بيان الكبائر وأكبرها ، والترمذي رقم ( 2302 ) فى الشهادات ،
باب ما جاء في شهادة الزور.
( [2] ) رواه البخاري رقم ( 5973 ) فى الأدب ، باب لا يسب الرجل والديه ، ومسلم رقم
( 90 ) في الإيمان ، باب الكبائر وأكبرها ، وأبو داود رقم ( 5141 ) في الأدب ، باب
بر الوالدين.
( [3] ) المرأة المترجلة: التى تتشبه بالرجال في هيئتهم وأفعالهم.
( [4] ) الديوث من الرجال: هو الذى لا غيرة له ولا حمية.
( [5] ) رواه النسائى ( 5/ 80 ) فى الزكاة ، باب المنان بما أعطى ، ورواه أيضًا أحمد في المسند
و الحاكم في المستدرك وهو في صحيح الجامع ( 3063 )
( [6] ) صرفًا ولا عدلًا: أي فرضًا ولا نفلًا ولا عملًا
( [7] ) رواه الطبراني في الكبير ( 7547 ) وابن أبى عاصم في السنة رقم ( 323 ) وحسنه الألباني في صحيح الجامع ( 3065 ) .
( [8] ) رواه أحمد في المسند ( 5/ 36 ) والحاكم في المستدرك ( 4/ 177 ) وصححه ووافقه الذهبي
وهو في صحيح الجامع ( 137 ) .
( [9] ) رواه مسلم رقم ( 2551 ) في البر والصلة ، باب رغم من أدرك أبويه أو أحدهما عند الكبر
ولم يدخل الجنة ،والترمذي رقم ( 3539 ) في الدعوات ، ورواه أحمد في المسند ( 2/345 )
رقم ( 8538 ) ، وهو في صحيح الجامع رقم ( 3511) .
( [10] ) رواه البخاري رقم ( 5970 ) في الأدب ، باب البر والصلة ، ومسلم رقم ( 85 ) في
الإيمان: باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال.
( [11] ) رواه البخاري رقم ( 5972 ) في الأدب ، باب لا يجاهد إلا بإذن الأبوين.
( [12] ) رواه مسلم رقم ( 2549 ) في البر والصلة ، باب بر الوالدين وأنهما أحق به ، وأبو داود
( 2530 ) في الجهاد ، والترمذي ( 1671 ) في الجهاد ، والنسائى ( 6/ 10 ) في الجهاد
( [13] ) رواه البخاري رقم ( 5974 ) في الأدب ، باب إجابة دعاء من بر والديه ، ومسلم رقم
( 2743 ) في الذكر ، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة ، وأبو داود رقم ( 3387 ) فى
البيوع باب في الرجل يتجر في مال الرجل بغير إذنه.
( [14] ) رواه البخاري رقم ( 5971 ) في الأدب ، باب البر والصلة ، ومسلم رقم ( 2548 ) في
البر والصلة ، باب بر الوالدين وأنهما أحق به.
( [15] ) رواه النسائي ( 6/ 11 ) في الجهاد ، باب الرخصة في التخلف لمن له والدة ، وابن ماجة
( 2781 ) في الجهاد ، باب الرجل يغزو وله أبوان، ورواه أيضًا أحمد في المسند ( 3/ 429 )
وصححه الحاكم وذكره الهيثمى في المجمع ( 8/ 138 ) وقال: رواه الطبراني في الأوسط
ورجاله ثقات، وحسنه الألبانى في السلسلة الصحيحة.
( [16] ) رواه أبو داود رقم ( 5142 ) في الأدب ، باب بر الوالدين ، وابن ماجة رقم ( 3664 )
فى الأدب ، باب صل من كان أبوك يصل ، وابن حبان رقم ( 2030 ) وضعفه الأرناؤوط
والألبانى في ضعيف سنن أبي داود.
( [17] ) رواه البخاري رقم ( 893 ) في الجمعة ، باب الجمعة في القرى والمدن ، ورواه مسلم
( 1829 ) في الإمارة ، باب فضيلة الإمام العادل ، والترمذي ( 1705 ) في الجهاد ، باب
ما جاء في الإمام ، وأبو داود ( 2928 ) في الإمارة ، باب ما يلزم الإمام من حق الرعية.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الأحباب الكرام
خامسًا: إنها مسئولية الجميع.
نعم يجب أن نعلم أن المسئولية تقع على كواهلنا جميعًا، فعلى البيت مسئولية، وعلى مناهج التعليم مسئولية، وعلى المدرسة مسئولية، وعلى الإعلام مسئولية، وعلى الشارع مسئولية، فالمسئولية تقع على كواهل الجميع، تبدأ من البيت ومن الأسرة، ولكن قد يتألم الآن بعض الأحبة ويقول إذا كان الوالد من الصالحين فاجتهد في تربية أبنائه تربية ترضى الرب سبحانه واجتهدت الأم كذلك، لكن خرج من بين هؤلاء الأبناء ابن عاق انحرف عن الطريق.
نقول: إن هذا لا يقدح في أصل القاعدة فإننى أرى بيتًا من بيوت المسلمين يشرف على التربية فيه نبي كريم من أنبياء الله وهو نبي الله نوح عليه السلام، ومع ذلك لا يخرج الولد من هذا البيت عاقًا وإنما يخرج كافرًا والعياذ بالله، وألمح بيتًا آخر يقوم على أمر التربية فيه فرعون مصر طاغوت الدنيا بأسرها، ويكون هو المشرف على تربية طفل، هذا الطفل هو نبي الله موسى عليه السلام كليم الله.
فابذل ما استطعت واجتهد، وضع النتائج بعد ذلك إلى الله الذي يعلم كل شىء، والذي يعلم الحكمة إنه عليم حكيم.
أيها الوالد الكريم، أيتها الأم الفاضلة:تبدأ المسئولية في التربية للأبناء من البيت فهو المدرسة الأولى لكل نَشْء، وهو المكان التربوى الأكبر الذى يؤثر في شخصية وتكوين الأبناء، فاجتهدوا واتقوا الله في التربية ولا تهنوا ولا تحزنوا، فمن زرع حصد، واعلموا يقينًا أن من زرع خيرًا سيجد خيرًا بإذن الله، ومن زرع شرًا فسوف يجنيه بإذن الله.
أولادكم أمانة في أعناقكم، فهذه مسئولية، ويالها من مسئولية !! عندها تتوارى كل المسئوليات، فالأبوة بمعناها الحقيقى هى العطاء بلا حدود، هى العطف، هى الحنان، هى الرحمة، هى الشفقة، هى البذل والتضحية بكل غالى وثمين، هى النصيحة هى الاهتمام، هى الشعور بمشاعر الأولاد ومعايشة أحزانهم وأفراحهم وحوائجهم، فالأبوة في خصالها السامية لم ولن تعادلها مسئولية قط، ولم لا ؟! وأنت تبنى جيلا الآن يصبح صرح أمة التوحيد الشامخ غدًا، يصبح صاحب الكلمة غدًا، يصبح رافع راية لا إله إلا الله غدًا، ما أسماها من مسئولية! وما أرفعها من مكانة!!
فكن لابنك كما كان محمد لأولاده، ياله من أب جمع كل حسنات في التربية، وكوني أيتها الأم كما كانت أمهات المؤمنين.
ولن يقع عاتق المسئولية جمعاء على البيت فقط، فالمدرسة لها دور في صناعة جيل الأمة حامل الراية غدًا ، والإعلام له دور خطير في توجيه النشىء، فليتق الله كل مسئول في الإعلام في فلذات أكبادنا فإن الإعلام سلاح خطير ومهم في تعليم أبنائنا الأخلاق العالية والمثل السامية إذا أحسن استغلاله. وسلاح مدمر للفرد والأسرة والمجتمع إذا أسىء استغلاله فإن الكثير من وسائل الإعلام المختلفة المسموعة والمرئية والمقروءة تعزف على وتر الجنس وعلى وتر أخلاق الغرب التى تصطدم بديننا الحنيف وتقاليدنا العريقة وبعض هذه الوسائل تعزف على وتر التحرر.
ولذا أصبح الولد ينظر إلى أبيه المحافظ صاحب الأخلاق والفضائل نظرة احتقار، نظرة ازدراء، نظرة سخرية.
هكذا أُشرب في قلبه أن كل من يتمسك بالأخلاق الفاضلة فهو رجل رجعى . فلا غرابة أن تجد ولدًا يقول لأبيه: أنت رجل رجعى لا تعيش عصرك، أنت لا تعيش زمانك، إنكم مازلتم تعيشون في مجاهل القرون الماضية.
العزف بصورة واضحة على نغمة التحرر، جعل الأبناء يتمردون على كل شيء، على سلطة الأسرة، على سلطة الوالدين، بل وتمرد الأولاد أخيرًا على سلطة الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فعلى القائمين على الإعلام أن يتقوا الله، وأيضًا على المدارس ومناهج التعليم وكل المسئولين عن دفة التعليم مسئولية كبيرة، فهم يبنون عقول نشىء، وانظر إلى من يبنى عقلًا، هذا العقل سوف يكون مستقبلًا قائدًا للأمة أو أميرًا أو طبيبًا أو مهندسًا أو معلمًا أو …. فانظر كيف يُبنى هذا العقل ؟! إن لم يُبنَ على أُسس وقواعد وأخلاق وغايات وقيم ومبادىء قرآنية محمدية، فكيف يكون هذا العقل مستقبلًا؟ والله إن لم نربى أولادنا على مناهج ربانية محمدية فسوف نجنى أسوأ الثمار، بل سوف نجنى أشواك تجرحنا قبل الآخرين، وتؤذينا قبل الآخرين، فاعلموا أيها المسئولون عن التعليم أن جزءً كبيرًا جدًا من دفة المسئولية موضوع في أيديكم فاتقوا الله فيه.
فالمدرسة أب ثانى وأم ثانية لنشىء هو قرة أعيننا وقرة أعينكم قبلنا، فإن ما نسمع الآن من تطاول الطالب على مدرسه ليدمع العين دمًا، لذا يجب أن تعود المدرسة من جديد إلى دورها الريادى في التربية قبل أن تعلم أبناءنا العلم، وإن ما نسمع من أخلاق البنات في مدارس البنات ليستحى اللسان أن يتلفظ به، فمن أجمل ما قال محمد إقبال رحمه الله: إن العلوم الحديثة تحسن أن تعلم أبناءنا المعاني والمعارف، ولكنها لا تحسن أن تعلم عيونهم الدموع، وقلوبهم الخشوع.
وعلى الشارع أيضًا دور، فلو خرج الأبناء إلى الشوارع بأخلاق البيوت الطيبة لتغير الحال، إذًا المسئولية مشتركة وعلى الجميع، فكل مسئول يجب عليه أن يؤدي ما عليه بأمانة واقتدار حتى نجني قرة عين لا شيطان، لا أريد أن أطيل عليكم أكثر من ذلك.
أسأل الله أن يقر أعيننا وإياكم بصلاح أبنائنا وستر بناتنا، إنه ولى ذلك والقادر عليه...