عنوان الخطبة
اسم الخطيب
عاصم حكيم
ملخص الخطبة
1-الإيمان باليوم الآخر أقوى بواعث الخير 2- أحاديث في ذم الكِبْر وبيان ذلة المتكبّرين يوم القيامة 3- من العقوبة أن لا يكلّم الله العاصي ولا ينظر إليه 4- من العقوبة الخسف واللعن 5- الآمنون في يوم الفزع الأكبر 6- الذين يُحشرون في ظل الله يوم القيامة
الخطبة الأولى
إن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان كما جاء ذلك في حديث جبريل عليه السلام المعروف، وما ذلك إلا لأنه من أقوى بواعث فعل الخير وتجنب الشر، لأن من علم وأيقن أنه موقوف بين يدي الله تعالى، وأنه مسئول في عرصاتها عن أعماله، محاسب عن أقواله وأفعاله، كان ذلك سببا عظيما في تجنب ما يسخط الله، فكلما زاد إيمان العبد باليوم الآخر، كلما كثر إحسانه وقلّت سيئاته، ولقد جاءت الآيات والأحاديث بوصف دقيق لأصناف مختلفة من الناس، تصف نعيمهم وعذابهم يوم القيامة، كلٌ بحسب عمله.
فمن تلك الذنوب التي يُلاقي بسببها أصحابها الذنوب: الكِبْرُ، وهو أول ذنب عُصي الله تعالى به، وهو الذي يمنع الإنسان من قبول الحق والنصيحة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) )، ولأن المتكبر يأخذ حجما في الدنيا أكبر من حجمه، فإن الله تعالى يعاقبه يوم القيامة بإذلاله أمام الناس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان ) ).
وهنالك من الذنوب من لا يكلم الله تعالى مرتكبيها ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، فمن ذلك من يُكثر من الحلف والأيمان الباطلة الكاذبة من أجل متاع دنيوي زائل وحقير، قال تعالى: إن الذين يشترون بعهد الله و أيمانهم ثمنًا قليلًا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، وهذه العقوبة العظيمة قد جاء مثلها في المسبل،- وهو الذي جاوز ثوبه أو إزاره أو بنطاله الكعبين- والمنان، وجاء مثلها أيضا فيمن ارتكب ذنبا أو فعل كبيرةً الدافعُ لها معدوم وضعيف في نفسه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر ) ).
وكذلك يلقى العقوبة يوم القيامة من ارتكب ذنوبا تخالف الطبيعة البشرية التي خلق الله الناس عليها، فالناس مجبولون على حب الوالدين والطاعة لهما، والمرأة مجبولة على الحياء والأنوثة، والرجل مجبول على الغيرة والقوامة، على أهل بيته، فالذي يعق والديه ومن تتشبه بالرجال في كلامها ولباسها وخروجها من منزلها، ومن نُزعت الغيرة من قلبه والحياء من وجهه، فأصبح لا يبالي إن نظر الناس إلى امرأته أو ابنته، أو إن ذهب أهل بيته إلى الأماكن الموبوءة كالكبائن والأسواق، ولا يكترث بمن يدخل ويخرج من بيته، فأولئك استحقوا إعراض الله تعالى عنهم يوم القيامة، ومن يعرض الله عنه فقد خاب وخسر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه والمرأة المسترجلة والديوث ) ).
ومن الذنوب التي توعد الله صاحبها بالعقوبة يوم القيامة: غصب الأراضي، سواء كان ذلك من أشخاص أو من بيت المال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من أخذ شيئا من الأرض بغير حقه خُسف به يوم القيامة إلى سبع أراضين ) )، بل قد جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من غير منار الأرض، وذلك بتغيير حدود أرضه وإدخال حدود غيره فيها، وكم من أرحام قطعت، و عداوات نشأت بين المسلمين بسبب ذلك الذنب.
وأخيرا هنالك ذنوب يستهون خطرها كثير من الناس، وهي عند الله كبيرة، فمن ذلك المجاملة الكاذبة، أو ما يعرف باسم النفاق الاجتماعي، ففي الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( تجدون شر الناس يوم القيامة: ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه ) )، أقول قولي وأستغفر الله.
الخطبة الثانية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.
إن يوم القيامة ليس فقط عذاب وعقاب، فمن العباد من يأمن إذا خاف الناس ويستظل إذا عرق الناس، أولئك هم الذين خافوا الله خوفًا منعهم من الوقوع في ما حرمه، وأجبرهم على فعل ما أمرهم به، يقول تعالى في الحديث القدسي: (( وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمِنَنِي في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمَّنْتُهُ يوم أجمع فيه عبادي ) )، فَمَنِ الذين لهم الأمن يوم القيامة؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( سبعة يُظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ) ).
وممن يأمنون يوم القيامة، أولئك الذين يساعدون الناس ويسعون في قضاء حوائجهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على مسلم يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ) ).
والذين يعفون عن المسيء ويكظمون غيظهم من الآمنين يوم القيامة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( من كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رضىً يوم القيامة ) )، عباد الله: إن الإيمان باليوم الآخر ليس إيمانا قلبيا فحسب، بل يجب أن يكون إيمانا بالقلب و عملا بالجوارح، فإن حسن عملك دل ذلك على عظم إيمانك باليوم الآخر، ولقد صدَّر وبدأ نبينا صلى الله عليه وسلم الكثير من الأحاديث بقوله (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ) )ثم قال: (( فليحسن إلى جاره ) )، (( وليكرم ضيفه ) )، (( وليقل خيرا أو ليسكت ) )، و (( لا يدخل الحمام إلا بمئزر ) )، و (( لا يُدخل حليلته الحمام ) )، و (( لا يجلس على مائدة يُدار عليها الخمر ) )، و (( لا يلبس حريرا ولا ذهبا ) ).
فاعرض نفسك يا عبد الله على تلك الأعمال وغيرها من الصالحات لتعلم هل أنت من أهل الأمن يوم القيامة أم غير ذلك، نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم.