عنوان الخطبة
اسم الخطيب
محمد بو سنه
ملخص الخطبة
1 -تقرير أن كل بني آدم خطاء 2 - الفرق بين معصية المؤمن ومعصية الفاجر 3 - اضرار الذنوب والمعاصي 4 - حال الكفار والعصاة 5 - كيف تحفظ نفسك من الذنوب والمعاصي
الخطبة الأولى
عباد الله: إن الكثير من الناس اليوم يَشْكون من ضيق في المَعيشة وقلق في النفس والسبب في ذلك بلا شك كثرة المعاصي والذنوب، فمَن مِنّا لا يُذنب؟ ومن منّا لا يعصي الله عزّ وجل؟ بل قال عليه الصلاة والسلام: (( لو لم تُذنِبوا لذهب الله بكم ولأتى بقوم يُذنبون فيستغفرون فيَغفِر الله لهم ) )بل قال عليه الصلاة والسلام: (( كلّ بني آدم خطّاء، وخير الخطّاءين التّوابون ) ). بل حتى التّقي الورِع يقع في الذنوب والمعاصي، والله جلّ وعلا لما وصَف المؤمنين المُتّقين ذكَر أنّ مِن صفاتهم أنّهم يَقَعون في الفواحش أو ظُلم النّفس، واسمع يا عبد الله ويا أَمَة الله إلى المُتّقين إذا وقعوا في الذنوب والمعاصي ماذا يفعلون قال الله جلّ وعلا في صفتهم: والذين إذا فعَلوا فاحشة أو ظلَموا أنفسهم ذَكَروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفِر الذنوب إلا الله ولم يُصرّوا على ما فعلوا وهم يعلَمون . بل إن الفَرق بين المؤمن الذي يُذنب والفاجر الذي يَعصي قد بيّنه ابن مسعود رضي الله عنه حيث قال:"إن المؤمن يرى ذنبه كأَصل جبَلٍ يوشك أن يقع عليه، والمنافق الفاجر يرى ذنبه كذُباب وقَع على أنفه فقال بِيَده هكذا"أرأيتم إلى هذا الفَرق بينهما كلاهما يعصي الله عزّ وجل لكن المؤمن إذا عصى خاف ونَدِم ووجل قلبه واستغفر وعَمِل الصالحات لِيُكفِّر عن السيئات، أما الفاجر المنافق فيرتكب الذنوب والمعاصي ويفرح بذلك، ويتباهى ويُجاهِر بها، إذًا لا بد من الذنب، ولكن أخي المسلم، أُختي المسلمة لا بد أن تَحْفَظا نَفسيكما من الوقوع في هذه المعاصي، وقد تسألان كيف السبيل إلى حِفظ النفس من المعاصي؟ وقبل الجواب على ذلك اعلما أن للذنوب أضرارًا ولتلك المعاصي سوءًا في الوجه وظُلْمَةً في القلب. واسمَعا إلى ربنا عزّ وجل كيف يَصِف أولئك الذين ابتعدوا عن شرعه وانتهكوا حُرُماته، ووقعوا في الذنوب وأسرَفوا فيها، انظروا كيف يصِف الله حياتهم ومعيشتهم في هذه الدنيا قال الله جلّ وعلا: ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكًا . تجِده في الصباح يستيقِظ على الأغاني ولا يَعرِف ذكر الله للسانه إذا ركِب سيّارة لا يَسمع إلا الأغاني، كُلّما رأى الفتيات تَلفّت يَمْنة ويَسرة، لا يَغُضّ بصره، وكذلك الفتاة لا تخرج من بيتها إلا مُتعطِّرة مُتبرِّجة كاشفةً عن شعرها وذراعيها لتقولَ للناس انظروا إليّ، وإذا رَجَعت إلى بيتها لا تَذكُر ذكرًا ولا صلاة، بل تجلِس إلى التِّلْفاز إلى مُنتصَف الليل، إذا سألت هذا الرجل وتلك المرأة لِمَ تفعلان ذلك؟ قالا لك: إنّه المَلل، إنه ضيق في الصدر ولا أحسُّ بلذة في الحياة. أتعلَم لماذا كلّ ذلك؟ إنه الإعراض عن ذكر الله كما قال سبحانه: ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكًا ونحشُرُه يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا قال كذلك أتتكَ آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تُنسى .
اسمع إلى هذا الرجُل الكافر ديل كار بينجي) الذي بحث عن السعادة في الدنيا وأراد أن يبحث عن أسبابها فألّف كتابًا سمّاه: [دعِ القلق وابدأ الحياة] ألّف هذا الكتاب لِيُبيّن أسباب السعادة في الدنيا فلما انتهى تأليفه إذا به يربِط حبلًا في غرفته ويَشنُق نفسه ومن أعرض عن ذِكري فإنّ له معيشة نعم يعيش كما يعيش الناس بل كما تعيش البهائم يأكل ويشرب ويلبس ويسكن ويركب. ولكن قلبه حزين وصدره ضيِّق وضاقت به الدنيا بما رحُبَت فإنّ له معيشة ضنكًا عبدَ الله سل أصحاب المعاصي والذنوب، هل أنتم في سعادة؟ انظر وتأمّل في حالهم، عندهم كلّ شيء إلا ذكر الله والصلاة وشرع الله، فإنّهم يَشْكون من ضيق في الصدر يبحثون عن رُقية ٍ تُخفِّفُ عنهم آلامهم، واجلسي أختي المسلِمة مع أَمَة الله الصالحة تلك المُحجّبة المُحتَشِمة التي إن قامت فإنها تقوم لصلاة الفجر وتنام على ذكر الله وتستيقِظ على ذكر الله تَغُضُّ بصرها وتحفَظ محارم ربّها، تلك وأمثالها قال فيهم ربُّ العزة سبحانه: الذين آمنوا وتطمئِنّ قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطْمَئِنّ القلوب .
عبد الله، أمَة الله إذا كانت هذه أضرار المعاصي وأضرار الذنوب في الدنيا فما بالك بأضرارها والخسارة الناتِجة عنها يوم القيامة وفي القبر وفي الحشر.
إذًا يا عبد الله كيف تحفظ نفسك من الذنوب والمعاصي؟ كيف تبتعد عنها؟ كيف تُحصِّن نفسك.
كيف تحصن نفسك اذا أقبلت الذنوب والمعاصي؟ وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أنه سوف: (( يأتي على الناس زمان، القابض على دينه كالقابض على الجمر ) )يصبح الواحد ما يتحمل أن يتمسك بدينه ثم قال عليه الصلاة والسلام: (( بادروا بالأعمال الصالحة فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا ) )، في الصباح تراه مصليًا ساجدًا ذاكرًا يعرف حق ربه ثم اذا أقبل الليل وغربت الشمس فاذا به يجحد أوامر الله ويستهزئ بشرع الله (( ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا ) )فمالذي حدث؟ قال بعدها عليه الصلاة والسلام: (( يبيع دينه بعرض من الدنيا ) )كم وكم من الناس كانوا صالحين فإذا بشهوة أوبمعصية ينقلبون بسببها على أعقابهم.
واسمع يا عبد الله إلى هذا الرجل الذي كان صالحًا طوال حياته بل كان مؤذنًا يؤذن للناس ويدعوهم الى الصلاة كان يقوم على منارة المسجد فيقول: حي على الصلاة. حي على الفلاح وفي يوم وهو يؤذن نظر بالقرب من المسجد فاذا فتاة فجعل ينظر إليها ويطيل النظر ولم يغض بصره، فاذا بقلبه يتعلق بها فنزل بعد الأذان وقصد بيت تلك الفتاة فلما طرق الباب فرحت تلك الفتاة وهي نصرانية فقالت له: مؤتمن ويخون؟ أي أنت أمين للناس تؤذن لهم ثم تخون الأمانة، فقال لها: إني أريدك، فقالت: اذًا تريدني زوجة؟ قال: نعم، قالت: لكن بشرط واحد قال: ماهو؟ قالت: أن تتنصر - أي تترك دينك وتكفر فاذا به يقبل شرطها، ويقول: أتنصر، فسبحان مقلب القلوب لا اله الا الله أرأيتم كيف تدخل الذنوب الى القلوب، فتقبلها وتبدلها، ثم أدخلته البيت وقالت له: إشرب من هذا الكأس، فاذا به يشرب الخمر ويأكل الخنزير ثم قالت له: أصعد على سطح البيت فإذا جاء والدي أخبرته الخبر، فلما صعد السطح وهو سكران سقط من أعلى المنزل، فاذا به يفارق الحياة على نصرانيته وردته، يقول المولى جل شأنه: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ويقول: (( إن قلوب أبناء آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ) )فاللهم يامقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.
الخطبة الثانية
إن أول أمر تحفظ به نفسك من الذنوب والمعاصي هو: المحاسبة والمراقبة أن تراقب الله جل وعلا دائمًا وفي كل مكان، واعلم أن هناك من يراك ومن يطلع عليك، إنه الواحد الأحد إنه الذي يحسب عليك كل نفس وكل خاطرة وكل نظرة وكل كلمة عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول ومن يجهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار أي الذي يخفي نفسه في الظلام ويغلق الباب على نفسه من الذي يراه ألم يعلم بأن الله يرى وصدق الإمام أحمد رحمه الله تعالى حيث أنشد يقول:
إذا ماخلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب
بلى يا عبد الله اذا أتيت الله يوم القيامة فإنه يعرض عليك كتابًا لايغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصائها يوم تجد كل نفس ماعملت من خير محضرًا وماعملت من سوء تود لو أنها بينها وبينه أمدًا بعيدًا إسمعي يا أمة الله إلى تلك المرأة التي غاب عنها زوجها في الجهاد وظلت أشهرًا على هذه الحال تصارعها الفتنة فمر عمر بن الخطاب ببيتها فسمعها تردد هذه الآبيات:
تطاول هذا الليل وأسود جانبه وأرقني أن لا خليل ألاعبه
فوالله لولا الله ربًا أراقبه لحرك من هذا السرير جوانبه
واسمع يا عبد الله أمرأ آخر به تحفظ نفسك من المعاصي، إنه الخوف من الله جل وعلا، فلاتظن أنها معصية ثم تذهب، أو أنها نظرة ثم تضيع، أو أنه الفيلم الأخير ثم أتوب بعده، إن الله عزوجل يحذر الناس نفسه ويقول: وخافون إن كنتم مؤمنين ألا تخاف ياعبد الله من الله وأنت تتجرأ على معصيته، ويا أمة الله أماتخافين وأنت ترتكيبن معصية أن يأخذك الله ويقبض روحك إسمعي الى السابقين الى الصالحين كيف كانوا يخافون ربهم فهذا إبراهيم عليه السلام قيل أنه كان يسمع له من بعيد وهو في الصلاة أزيز صدره من شدة الخوف، وهذا داود عليه السلام كان الناس يزورونه يظنون أنه مريض وماكان به شيء إلا شدة الخوف من الله، كانوا أعدل الناس وأخشاهم لله وهم يكونوا عصاة، ومع ذلك كانوا أشد الناس خوفًا من الله، بل الصالحون يصلون ويصومون ويتصدقون ومع ذلك يخافون ألا يتقبل منهم، وفيهم قال جل شأنه: الذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة فإن كان هؤلاء الصالحون المصلون المكثرون للخيرات يخافون على أعمالهم أن لاتقبل فكيف بالمقصرين؟ بل كيف بالذين لايصلون ولايعرفون الله حرمة كيف بالتي هجرت القرآن ولا تذكر الله؟ إسمعي يا أمة الله الى نبينا وهو أعبد الناس وأصلحهم كيف كان يخاف تقول عنه عائشة رضي الله عنها: (( كان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عرف ذلك في وجهه فتقول: يا رسول الله إن الناس إذا رأوا غيمًا فرحوا رجاء أن يكون فيه مطر، وأنت اذا رأيته عرفت الكراهية في وجهك، قال يا عائشة: ومن يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رآه قوم فقالوا: هذا عارض ممطرنا بل هو ما إستعجلتم به ريح فيها عذاب آليم ) )أما نحن للأسف الواحد يرتكب المعاصي وينتهك الحرمات وهو يضحك ويلعب ولا يبالي، يقلب رأسه في الفراش وهو مطمئن لا يصلي الصبح إلا إذا طلعت عليه الشمس ولا يبالي، ما بال قلوبنا قد قست، الواحد يرتكب الذنوب ولا يبالي. اسمع الى أبي بكر الصديق وهو أصلح هذه الأمة بعد رسول الله يقول عن نفسه من شدة الخوف من الله: (يا ليتني كنت شجرة تعضد) ، أما تخاف ياعبدالله وأنت يا أمة الله. إسمعوا إلى أولئك الأربعة نفر الذين سافروا الى بلاد من أجل الزنا والمعاصي، فإذا بهم يدخلون الى مرقص من المراقص ويتمتعون بشرب الخمر في تلك الليلة، والرب جل وعلا قد نزل الى السماء الدنيا في ذلك الوقت فيقول: (( هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ ) )وينظر الى عباده أين ذهبوا؟ ذهبوا الى المرقص وماذا عملوا؟ شربوا الخمر ورقصوا، وبينما هم مشتغلون بتلك المعاصي في ذلك المرقص إذا بواحد منهم يسقط مغشيًا عليه حضرته الوفاة فقال له أحدهم: قل لا اله الا الله فقال له وهو يحتضر: زدني كأسًا من الخمر. فما يزال يرددها حتى خرجت روحه، نسأل الله العافية وحسن الخاتمة، أما تخافين يا أمة الله أن تكوني على معصية في ليلة هي آخر ليلة من حياتك، أما يخاف أحدنا وهو راكب على سيارة يعصي الله ثم يختم الله له بسوء الخاتمة في حادث قال: (( إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى مايكون بينها وبينه الا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ) )فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن أحدكم يموت على ما عاش عليه، ويبعث على مامات عليه، فالبدار البدار، البدار الى التوبة والعمل الصالح والثبات على ذلك حتى الممات.
نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يثبتنا على دينه وأن يصرف قلوبنا الى طاعته وأن يختم لنا بالصالحات أعمالنا إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.