فهرس الكتاب

الصفحة 2213 من 9788

بسم الله الرحمن الرحيم ( )

أيها الأخوة في الله: إن هذا الكون كله ، بكل صغير وكبير فيه متوجه إلى الله عز وجل يسبحه ويمجده ويسجد له قال تعالى: وإن من شيء إلا يسبح بحمده إن جميع المخلوقات التي خلقها الله منكسة رأسها متذللة إلى الله معترفة بالفضل له .

ولكن يبقى في هذا الكون مخلوق صغير حقير ذليل ، خُلق من نطفة فإذا هو خصيم مبين ، هو يسير في واد والكون كله في واد آخر ، يترك طاعة الله والخضوع له والتسبيح له ، بالرغم أن كل ما حوله يلهج بالذكر والتسبيح لله ، إن هذا المخلوق هو الإنسان العاصي لله عز وجل ! فيالله العجب ما أشد غروره ؟! ويالله العجب ما أعظم جهله ! ويالله ما أذله وما أحقره ! عندما يكون شاذا في هذا الكون المنتظم .

كم عُرضت عليه التوبة فلم يتب ، وكم عرضت عليه الإنابة ولم يُنب ، كم عرض عليه الرجوع وهو في شرود وهرب من الله ، كم عرض عليه الصلح مع مولاه فلم يصطلح ولوى رأسه مستكبرا ، استمع يارعاك الله إلى استعطاف الله له وهو يقول Y: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ، ولا يكون كالذين أوتوا الكتاب فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون فأي استعطاف أعظم من هذا ! وأي استجداء أشد من ذلك !؟

أيها الأخ المبارك: عليك قبل أن تعصي الله عز وجل أن تتفكر في هذه الدنيا وحقارتها وقلة وفائها وكثرة جفائها وخسة شركائها ، وسرعة انقضائها وتتفكر في أهلها وعشاقها وهم صرعى حولها ، قد عذبتهم بأنواع العذاب ، وأذاقتهم مُر الشراب ، وأضحكتهم قليلا وأبكتهم كثيرا وطويلا ..يقول الله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ( )

عليك قبل أن تعصي الله عز وجل أن تتفكر في الآخرة ودوامها وأنها هي الحياة الحقيقية ، وهي دار القرار ومحط الرحال ، منتهى السير . وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( )

عليك قبل أن تعصي الله عز وجل أن تتفكر في النار وتوقدها واضطرامها وبعد قعرها وشدة حرها ، وعظيم عذاب أهلها ..

فيها غلاظٌ شدادٌ من ملائكةٍ قلوبهم شدةً أقسى من الحجرِ

لهم من مقامِعُ للتعذيبِ موحشةٌ وكلُّ كسرٍ لديهم غيرُ منجبرِ

سوداء مظلمةٌ شعشاءُ موحشةٌ دهماء محرقة لواحة البشرِ ( )

عليك أن تتفكر في أهلها وهم في الحميم على وجوههم يسحبون ، وفي النار كالحطب يسجرون . يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ { ( ) وقال تعالى: } إِذْ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ ، فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ( )

عليك قبل أن تعصي الله عز وجل أن تتفكر في الجنة وما أعد الله لأهل طاعته: ( فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ( )

أخي الكريم: قبل أن تعصي الله تذكر:كم ستعيش في هذه الدنيا ؟ ستين سنة ، ثمانين ، مائة سنة ، ألف سنة ، ثم ماذا ؟ ثم موت بعده جنات النعيم أو نار الجحيم ـ عياذا بالله من النار .

فيا ساهيا في غمرةِ الجهل والهوى صريعَ الأماني عن قريبٍ ستندمُ

أفق قد دنى الوقت الذي ليس بعده سوى جنةٍ أو حرِّ نارٍ تَضَرَّمُ ( )

أُخيّ: تيقن حق اليقين أن ملك الموت كما تخطاك إلى غيرك فهو في الطريق إليك ، وما هي إلا أعوام عديدة أو أيام مديدة أو لحظات يسيرة ، فتصبح وحيدا فريدا في قبرك . في ظلمةِ القبرِ لا أمٌّ هناكَ ولا أبٌ شفيقٌ ولا أخٌ يؤنسني

فتذكر ظلمة القبر ووحدته ، وضيقه ووحشته ، وهول مطلعه وشدة ضغطته .

وهالني صورةٌ في العين إذ نظرت من هول مطلعِ ما قد كان أدهشني

من منكيرٍ ونكيرٍ ما أقولُ لهم إذ هالني منهما ما كانَ أفزعني ( )

تذكر يوم القيامة يوم العرض على الله ، عندما تمتلئ القلوب رعبا ، وعندما تتبرأ من بنيك وأمك وأبيك وصاحبتك وأخيك ، تذكر تلك المواقف والأهوال ، تذكر يوم توضع الموازين وتتطاير الصحف ، كم في كتابك من زلل ؟ وكم من عملك من خلل ؟

تذكر إذا وقفت بين يدي الملك الحق المبين الذي كنت تهرب منه ، ويدعوك فتصد عنه ، وقفت وبيدك صحيفة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها ، فبأي لسان تجيب الجبار حين يسألك عن عمرك وشبابك وعملك ومالك ، وبأي قدم تقف بين يديه ، وبأي عين تنظر إليه ، وبأي قلب تجيب عليه عندما يقول لك عبدي: استخففت بنظري إليك ، جعلتني أهون الناظرين إليك ، ألم أنعم عليك ، فلماذا تعصني وأنا أنعم عليك .

أخي الكريم: أفلا تصبر على طاعة الله هذه الأيام القليلة ، وهذه اللحظات السريعة ؛ لتفوز بعد ذلك بالفوز العظيم ، وتتمتع بالنعيم المقيم .

إن هناك أناسا اعتقدوا أنهم قد خلقوا عبثا ، وتركوا سدى ، فكانت حياتهم لهوا ولعبا ، تعلوا أبصارهم الغشاوة ، وفي آذانهم وقر عن سماع الهدى ، بصائرهم مطموسة ، وقلوبهم منكوسة ، أعينهم متحجرة ، وأفئدتهم معمية ، تجد في مجالسهم كل شيء إلا القرآن وذكر الله . هربوا من الله وهم عبيده وبين يديه وفي قبضته ، دعاهم فلم يستجيبوا له واستجابوا لنداء الشيطان ولرغباتهم وأهوائهم ..فيا عجبا من هؤلاء ، كيف يلبون دعوة الشيطان ويتركون دعوة الرحمن ؟! أين ذهبت عقولهم ..؟! فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في

الصدور { ما الذي فعله الله بهم حتى عصوه ولم يطيعوه ؟ ألم يخلقهم ؟ ألم يرزقهم ؟ ألم يعافهم في أموالهم وأبدانهم ؟ أغر هؤلاء حلم الحليم ؟ أغرهم كرم الكريم ؟ ألم يخافوا أن يأتيهم الموت وهم على المعاصى عاكفون ؟ } أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون { فاحذر يا رعاك الله كل الحذر أن تكون من هؤلاء ، وترفع بنفسك عنهم ، واعمل لما خلقت له ، فإنك ورب الكعبة قد خلقت لأمر عظيم قال تعالى: } وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

قد هيأوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

بارك الله لي ولكم ..

الخطبة الثانية:

أخي المبارك: يا من تعصي الله !! عد إلى ربك واتق الله ..اتق النار ، اتق السعير ، إن أمامك أهوالا وصعابا ، إن أمامك نعيما أو عذابا ، إن أمامك مواقف موهولة ،و والله الذي لا إله غيره ولا رب سواه ، لن تنفعك الضحكات ، لن تنفعك الأغاني والمسلسلات ، والأمور التافهات ، لن تنفعك الصحف والمجلات ، لن ينفعك الأهل والأولاد ، لن ينفعك الإخوان والأصحاب ، لن تنفعك الأموال ، لن تنفعك إلا الحسنات والأعمال الصالحات .

فلا تغرنكَ الدنيا وزينَتُها وانظر إلى فعلها في الأهلِ والوطنِ

وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمَعِهَا هل راحَ منها بغيرِ الزادِ والكفنِ

يا نفسُ كفي عن العصيان واكتسبي فعلا جميلا لعلَّ اللهَ يرحمني ( )

فبادر يا رعاك الله إلى إعتاق نفسك من النار ، وأعلنها توبة صادقة من الآن ، وتأكد أنك لن تندم على ذلك أبدا ، بل إنك سوف تسعد بإذن الله ، وإياك إياك من التردد أو التأخر في ذلك فإني ورب الكعبة لك ناصح وعليك مشفق ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت