بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأخوة في الله: تعيش الأمة اليوم في أيام كوالح ، فمدن عظام تُدمر ، وشعوب بأسرها تشتت ، لقد توالت على الأمة الضربات ، وكشر الأعداء عن أنيابهم ..إن أعداء الأمة يريدون منها أن ترتد عن دينها ، وتتنازل عن ديارها ، وتتنكر لمبادئها وقيمها ..إنهم يريدون للأمة أن تتيه في حريتهم المزعومة ، ودعواتهم المسمومة ، إنهم يريدون قسر الأمة على مبادئ تخالف دينها الحنيف ..
ويا حسرة على العباد ففي حين أن الأمة هذا مصابها ، وتلك أدوائها ، وهذه حالتها ، لم يجد أهل الإسلام متنفسًا تتنفس منه إلا أن يقبل بعضهم على بعض يتلاومون ، وكأنما الشاعر يخاطبنا بقوله:
نعيب زمانَنا والعيب فينا وما لزمانِنا عيبٌ سوانا
ولهذا وذاك تتراكم الأخطاء في حياتنا ، ونهمل ذواتنا ، ونستغرق في اللوم على الآخرين ، فما من نازلة تنزل بنا إلا وننسبها لغيرنا ، ومن مصيبة تصيبنا إلا ونحملها أعداءنا ..فطالما تسمع في مجالس الناس ومنتدياتهم من يلقي باللائمة على الأعداء ؛ وهذا حق ولكنه ليس كل الحق .
وترى أُناسا فضلاء يبكون على أخلاق الأمة ، ويندبون الفضائل ، ويتبرمون من عورات المجتمع ونقائصه ، فتراهم يتهمون هذا في زهده وورعه ، وذاك في إخلاصه ونيته ، ويزعمون أن الآخر قد فتنته الدنيا واتخذ الدين مطية هكذا يتلاومون .
والتجار في تجاراتهم ، والصناع في صناعاتهم والموظفون في وظائفهم كلهم يشكون من ظاهرة الغش الخطيرة وفقدان الثقة ، وانتزاع الأمانة ، وفساد البضاعة ، وانتشار الغبن والتدليس والزور والتزوير .
وأنك لتعجب أشد العجب من ذاك الذي يتكلم عن ضعف المسلمين في التمسك بدينهم و يكون له القدح المعلى في النقد والتعليق وقد يكون هو جزءا من هذا الواقع المشين .
أيها الأخوة في الله: سؤال يطرح نفسه بنفسه وهو موجه إلى الجميع بلا استثناء:
هل هذا النوع من التلاوم يحل القضية ؟ ويعالج المشكلة ؟ إذا كان كل واحد منا يضع المسؤولية على الآخرين ويلقي بالائمة على الناس أجمعين ، فمن هم المسؤولون ؟ ومن هم الملومون ؟
إن القرآن الكريم يذكر الأمة بخطر هذا الداء ، ويرشدنا إلى الدواء ويقول: { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير }
ويقول: { ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن سميع عليم }
ولقد قيل للجيل الفريد: { أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ؟ قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير } لقد تعجبوا رضي الله عنهم ما حصل من المصيبة يوم أحد ، وقالوا: من أين أصابنا هذا الانهزام والقتل ، ونحن نقاتل في سبيل الله ، ونحن مسلمون ، وفينا رسول الله والوحي ، وهم مشركون ؟ فجاء الرد الإلهي درسًا بليغًا ومُعلمًا لهم ولغيرهم من المسلمين { قل هو من عند أنفسكم } فالإخلال بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والميل ولو قليلا إلى الدنيا ، يستحق العقوبة في الدنيا ، ولو كان المخطئون من خيار خلق الله وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أيها المسلمون: إذا كنا نتلاوم ونكتفي بالتلاوم ونقد الآخرين ، فمن يا ترى الذي أضاع الأمة ؟ ومن هو مُصلحها ؟
إن طريق الإصلاح يبدأ من البعد عن هذا الأسلوب المقيت الذي لا تستفيد منه الأمة إلا ضياع الأوقات ، وتفشي المنكرات .
إنه لا يسمح للأمة أن يكون هذا التلاوم متنفسًا لها تلقي من خلاله التبعة على الآخرين ، وسبيلًا لتوزيع الآهات والاتهامات هنا وهناك ؛ إن هذا لا يزيد الأمة إلا خسارا ووبلا .
ومن أجل هذا فإنك ترى هؤلاء وأمثالهم يكتفون بتمجيد الماضي والتباكي عليه ـ وهو ماض مجيد وحقٌ عليه أن يُبكى ـ ولكنهم يمجدونه وهم عاطلون ، ويفاخرون به وهم مقصرون ، ويغترون به وهم متخاذلون ، ولو تأملت معي يا أُخيّ لعلمت أن ضعيف الهمة العاجز الكسول الذي يتمنى على الله الأماني هو الذي يَغرق ويُغرق في هذا التلاوم ، ويتنفس من خلال هذا التباكي فيستعيض عن خذلانه وتخذيله بهذه الجعجة الفارغة .
وحتى تعلم يا أُخي أننا لا نتكلم من فارغ بل هو من واقع ملموس أنظر إلى كثير من شبابنا تراهم ـ إلا من رحم ربك ـ كسالى لا هم لأحدهم إلا سهر بالنوادي والمنتزهات ، ونوم بالنهار ، لا يتجهون إلى علم نافع ، وإلى عمل ناجع ، إنما هو متكئ على أريكته يوزع الاتهامات ، ويلقى باللائمة على هذا وذاك ، وقد نام على وساد عريض من الأحلام والأماني ينتظر السماء أن تمطر ذهبا وفضة .
أيها الأخوة في الله: إننا بحاج جد والله ماسة إلى مدرسة تُربى بها الأجيال على الجد و القوة ، والخلق المتين والعلم النافع والعمل الصالح ، إننا بحاجة إلى مزرعة ومصنع نستغني به عن الشرق والغرب ، إننا بحاجة إلى مصارف وشركات مؤمنة تُسثمر بها أموال الأمة وطاقاتها .
إننا بحاجة إلى معرفة مواهب أبناء الأمة وتنميتها والتعرف على القدرات وبناؤها ، فالله جل جلاله كما فاوت بين الناس في ألسنتهم و ألوانهم فقد فاوت بينهم في مواهبهم وقدراتهم .
والبناء الشامخ لا يقوم على أركانه إلا حين يشارك في بنائه كل مختص في مجاله وميدانه .0
قلب طرفك في صفحات التاريخ ، وارجع إلى الوراء إلى محمد صلى الله وسلم وصحبه ترى تلك النظرة الثاقبة من محمد صلى الله عليه وسلم لأصحابه ترى تلك التربية النبوية والإدارة المحمدية لشؤون الأمة فهاهو بأبي وأمي هو صلى الله عليه وسلم يراعي هذا الجانب بجلاء فترى طائفة من أصحابه برزوا بالرواية وتعليم العلم وأخرى تميزوا بالقيادة ، وقد نبه صلى الله عليه وسلم على خصائص بعضهم ، فأقرأهم لكتاب الله أُبي ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ وحبر الأمة فقيه الدين وعالم التأويل عبدالله بن عباس ، وأبو ذر لا يسأل الإمارة ، وخالد سيف من سيوف الله ..كلٌ قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم موقعه وموهبته وبلاءه في دين الله وأثره .
ألا إنها دعوة لأن يُستفاد من كل مسلم ذي موهبة في موقعه ، يعرف له فضله وأثره
فهذا عالم ينشر علمه بين الناس ، و ذلك محتسب آمرٌ بالمعروف ناهٍ عن المنكر ، أعطى لذلك نفيس وقته ، وصرف له عظيم همته ، قد رُزق من الصبر والحلم ما يتحمل به أذى الناس .
وأخر رُزق قلبًا رقيقًا وصدرا حنونًا ، توجه للأكباد الجائعة ، والبطون الخاوية ، فهو ينفق مما آتاه الله أو يسعى ليأخذ من الأغنياء أو يشرح الحال لذوي الرأي من الوجهاء .
و آخرون قد سخروا أنفسهم لدعوة غير المسلمين فاهتموا بشؤون الجاليات وغير الجاليات ، وبذلوا كل ما يملكون من جهد وطاقة مما لا يضيع ثوابه عند الله تعالى .
وانظروا يا رعاكم الله إلى ذلكم الذي قد وهبه الله قلمًا سيالًا ، ولسانًا صادقًا ، فهو يصول ويجول في معارك فكرية ومناقشات إسلامية شعرا ونثرا وإذاعة ونشرا ، دفاعا عن حياض الإسلام وساحاته لينفي عنه تحريف المبطلين وتأويل الجاهلين .
وقل مثلك في معلمي القرآن والطبيب الناصح والمهندس الأمين وغيرهم من الفلاحين والمزارعين والصناع
إن هذا أنواع من الحاجات ، وألوان من المواهب مما لا يقع تحت حصر ، كلها جهود خيرة ، ومسالك لا تستغني الأمة عن واحد منها ؛ فكيف بها مجتمعة ؟ إنها دروب خير لا يمكن أن يتقنها واحد وفئة ، ناهيك بأن يقوم بها فرد أو جماعة، وكلها دروب كفيلة بأن تقي الأمة التلاوم المذموم ، التلاوم المقيت والنقد الهادم يقول الله جل جلاله: { أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بضعهم فوق دراجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون }
بارك الله لي ولكم
الخطبة الثانية:
إن من المبشرات أيها الأخوة التي يفرح بها المؤمنون ، ويسعد بها المسلمون ، ما نُشر أخيرا عن خبر منع الأطباق السوداء ـ التي دمرت أخلاق الأمة ـ في المقاهي و المنتزهات ، وهذه نعمة عظيمة ينبغي للجميع أن يوجهوا شكرهم وثناءهم لمن أصدر ذلك القرار الصائب وحثهم على متابعة ذلك ومعاقبة من تسول له نفسه بالمخالفة فإن من المنهج الصحيح أن يقال للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت ، ولتعلموا أن هناك أناسا يعارضون مثل هذه القرارات الصائبة ويسعون بجهدهم للكلام على هذا القرار وعدم جدواه كما حصل من أحدهم وأن كتب في الأيام الماضية وفي جريدة سيارة يعترض على هذا القرار فقوموا رحمكم الله بواجب النصيحة أداء للأمانة ونصحًا للأمة ، وحماية للمجتمع من الأمراض الفتاكة .
هذا وصلوا رحمكم الله على النبي العظيم