فهرس الكتاب

الصفحة 394 من 9788

عنوان الخطبة

اسم الخطيب

عبد الله بن محمد بن زاحم

ملخص الخطبة

1-التوحيد دعوة جميع الأنبياء 2- تحقيق أنواع التوحيد الثلاثة 3- قطع جميع العلائق مع البشر وغيرهم , وقصر العلاقة مع الله عز وجل 4- بعض صور عبادة غير الله 5- العمل الصالح وسيلة العبد إلى ربه 6- قصة الثلاثة أصحاب الغار

الخطبة الأولى

أما بعد، فإذا تأملنا القرآن الكريم، وجدناه يركز على قاعدة أساسية، هي الهدف لكل رسالة سماوية، وهي الغاية من وجود الإنسان في هذه الحياة، من قام بها على وجهها فقد حقق غاية وجوده، ومن قصر فيها أو نكل عنها، فقد أبطل غاية وجوده، وصار عاطلًا بلا وظيفة.

إنها العبودية الخالصة لله. قال ـ تعالى ـ: وَمَا خَلَقْتُ ?لْجِنَّ وَ?لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لرَّزَّاقُ ذُو ?لْقُوَّةِ ?لْمَتِينُ [الذاريات:56-58] . هذه هي وظيفة الإنسان التي من أجلها خلق ومن أجلها وجد في هذه الدنيا.

فيجب أن تكون حياة الإنسان وتصوره مبنية على هذه الوظيفة. متجهة إليها، فإن كل الرسالات السماوية جاءت لتحقيق هذه الوظيفة للإنسان، فجميع الرسل - عليهم السلام - من أولهم نوح إلى آخرهم محمد كان أساس دعوتهم تذكير أممهم بهذه الوظيفة، وتحقيق العبودية لله.

فهذا نوح ـ عليه السلام ـ: قَالَ ي?قَوْمِ إِنّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَنِ ?عْبُدُواْ ?للَّهَ وَ?تَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح:2، 3] . لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى? قَوْمِهِ فَقَالَ يَـ?قَوْمِ ?عْبُدُواْ ?للَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلَـ?هٍ غَيْرُهُ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأعراف:59] . وَإِلَى? عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ ?عْبُدُواْ ?للَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـ?هٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ [الأعراف:65] .

وَإِلَى? ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـ?لِحًا قَالَ يَـ?قَوْمِ ?عْبُدُواْ ?للَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلَـ?هٍ غَيْرُهُ [الأعراف:73] .

وَإِلَى? مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَـ?قَوْمِ ?عْبُدُواْ ?للَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـ?هٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ [الأعراف:85] . وَإِبْر?هِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ?عْبُدُواْ ?للَّهَ وَ?تَّقُوهُ ذ?لِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [العنكبوت:16] . لَقَدْ كَفَرَ ?لَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لْمَسِيحُ ?بْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ ?لْمَسِيحُ يَابَنِى إِسْر?ءيلَ ?عْبُدُواْ ?للَّهَ رَبّى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِ?للَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ?للَّهُ عَلَيهِ ?لْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ?لنَّارُ وَمَا لِلظَّـ?لِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72] . وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ?عْبُدُواْ ?للَّهَ وَ?جْتَنِبُواْ ?لْطَّـ?غُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ?للَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ?لضَّلَـ?لَةُ فَسِيرُواْ فِى ?لأرْضِ فَ?نظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـ?قِبَةُ ?لْمُكَذّبِينَ [النحل:36] . وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَـ?هَ إِلاَّ أَنَاْ فَ?عْبُدُونِ [الأنبياء:25] .

والقرآن لم يحدد نوع العبادة ولم يحصرها، فهي شاملة لكل ما يدخل تحت مسمى العبادة من الأقوال والأفعال والاعتقاد، فكلها حق لله، وحرام صرف شيء منها لغير الله، كائنا من كان. حيًا كان أو ميتًا، ولا تتحقق العبودية لله إلا بأمرين متلازمين.

الأول: الإيمان بأن هناك عبدًا وربًا. وأنه ليس في الوجود إلا رب واحد، وما سواه فعبيد له، وأن الرب موصوف بصفات الكمال مما وصف نفسه ووصفه رسوله - - وهذا هو توحيد المعرفة والإثبات، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات، بسم الله الرحمن الرحيم: قُلْ هُوَ ?للَّهُ أَحَدٌ ?للَّهُ ?لصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [سورة الإخلاص] .

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ ?لسَّمِيعُ ?لْبَصِيرُ [الشورى:11] .

والثاني: التوجه إلى الله في كل حركة للجوارح وكل حركة للفؤاد، والتجرد من كل تصور آخر ومن كل أمر يخالف مقتضى العبودية.

وهذا هو توحيد القصد والطلب، وهو توحيد الألوهية، بسم الله الرحمن الرحيم: قُلْ ي?أَيُّهَا ?لْكَـ?فِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلاَ أَنتُمْ عَـ?بِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلاَ أَنتُمْ عَـ?بِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ [سورة الكافرون] .

فبتحقيق توحيد الربوبية والأسماء والصفات وتوحيد الألوهية يتحقق معنى العبادة.

ومن واجبات العبادة أن تكون قيمة الأعمال مستمدة من قواعدها لا من نتائجها، فالإنسان مكلف بأداء العبادة وليس مكلفًا بنتائجها، وإنما النتائج راجعة إلى قدر الله ومشيئته.

ومقتضى العبودية لله نَبْذ الأنداد والأضداد، والبراءة من كل عبودية لغير الله، فَمَنْ يَكْفُرْ بِ?لطَّـ?غُوتِ وَيُؤْمِن بِ?للَّهِ فَقَدِ ?سْتَمْسَكَ بِ?لْعُرْوَةِ ?لْوُثْقَى? لاَ ?نفِصَامَ لَهَا وَ?للَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:256] . وَإِذْ قَالَ إِبْر?هِيمُ لأَِبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ ?لَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف:26، 27] . والأنداد: قد لا تكون آلهة تعبد من دون الله على النحو الذي كان في الجاهلية الأولى، بل قد تكون صورًا أخرى خفية، قد تكون في تعلق الرجاء بغير الله، وقد تكون في الخوف من غائب غير الله أو من ميت تحت الثرى، وقد تكون في الاعتقاد أن أحدًا من الخلق يملك التصرف في هذا الكون أو شيء منه، وقد تكون في مضاهاة الله في عظمته وكبريائه وربوبيته، وقد تكون في الطاعة والانقياد كما قال ـ تعالى ـ: ?تَّخَذُواْ أَحْبَـ?رَهُمْ وَرُهْبَـ?نَهُمْ أَرْبَابًا مّن دُونِ ?للَّهِ [التوبة:31] . قال عدي بن حاتم --: لسنا نعبدهم - أو قال: إنهم لم يعبدوهم - فقال رسول الله: (( بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فصارت طاعتهم في المعصية عبادة ) ) [1] . وبها اتخذوهم أربابًا فمن أطاع مخلوقًا في معصية الخالق فقد اتخذه ربًا وعبده من دون الله.

فاتقوا الله ـ أيها المسلمون ـ، يَـ?أَيُّهَا ?لنَّاسُ ?عْبُدُواْ رَبَّكُمُ ?لَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَ?لَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21] .

هناك أنواع من العبادة تصرف لغير الله في بعض البلاد الإسلامية، ولا موجه ولا مرشد.

من ذلك: الركوع للمخلوقين، ومعلوم أن الركوع ركن من أركان الصلاة مثل السجود، فبعض الناس إذا قابل أحدًا يحترمه أو له فضل عليه ركع له ركوعًا جزئيًا أو كليًا، كما هو المشاهد في بعض الخدم وفي بعض الممثلين إذا خرج على الجمهور، وقد يكون القصد التحية لكنها صورة عبادة خاصة لله لا تصرف لغير الله ولا يحيّى بها.

ومن ذلك الطواف، فهو عبادة لله وقربة يطاف حول الكعبة المشرفة ومن شعائر الإسلام، فلا يجوز أن يطوف أحد بضريح أو تمثال أو نصبٍ.

ومن ذلك طلب النجاح، أو طلب الهداية للأولاد، أو طلب الولد، أو طلب المدد والغوث، أو طلب تفريج الهم والغم والكرب وغير ذلك من أنواع العبادة، أو طلب الحاجات التي لا يقدر عليها إلا الله،لا يجوز طلبها من أحد غير الله، كائنًا من كان؛ لأنها دعاء والدعاء مخ العبادة [2] ، وحرام صرف العبادة لغير الله.

فاتقوا الله ـ أيها المسلمون ـ تناصحوا فيما بينكم، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تأخذكم المجاملات إلى عدم المبالاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لُعِنَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْر?ءيلَ عَلَى? لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ?بْنِ مَرْيَمَ ذ?لِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَـ?هَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المائدة:78، 79] .

اللهم بارك لنا في القرآن العظيم، اللهم اعنا على شكرك وعلى ذكرك وحسن عبادتك. وألهمنا رشدنا وقنا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

اللهم رد المسلمين إليك ردًا جميلًا، واهدهم سبل السلام، واغفر لنا ولجميع المسلمين، إنك أنت الغفور الرحيم.

[1] أخرجه الطبري في تفسيره (6/114) [التوبة: 31] ، والترمذي ح (3095) قال أحمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري رقم (16632) : غطيف بن أعين الشيباني الجزري أو غصيف وثقه ابن حبان وقال الترمذي ليس بمعروف في الحديث وضعفه الدارقطني. وأخرجه الطبراني في الكبير (17/92) . قال الحافظ في غطيف: ضعيف. التقريب (5399) وفي عبد السلام بن حرب: ثقة حافظ له مناكير. التقريب (4095) .

[2] ضعيف، أخرجه الترمذي ح (3371) فيه: الوليد بن مسلم: ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية. التقريب (7506) وقد عنعن هنا. وفيه ابن لهيعة: عبد الله لهيعة الحضرمي، وقد صح الحديث بلفظ (( الدعاء هو العبادة ) )وأخرجه أحمد (4/271) ، والترمذي ح (2969) وقال: حسن صحيح، وأبو داود ح (1479) ، وابن ماجه ح (3828) .

الخطبة الثانية

الحمد لله على نعمة المتوالية، لا نحصي لها عدًا، ولا نقدر لها قدرًا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وَأَحْصَى? كُلَّ شَىْء عَدَدًا [الجن:28] . وأَحَاطَ بِكُلّ شَىْء عِلْمَا [الطلاق:12] . وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، اختاره لتبليغ رسالته، واصطفاه لعبادته، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فإن العمل الصالح الخالص لوجه الله ـ تعالى ـ، هو الوسيلة التي يتقرب بها العبد إلى ربه.

يَئَأَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَ?بْتَغُواْ إِلَيهِ ?لْوَسِيلَةَ وَجَـ?هِدُواْ فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:35] .

وفي حديث النفر الثلاثة قدوة وعبرة، عن عبدالله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله - - يقول: (( انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى أواهم المبيت إلى غار فدخلوه. فانحدرت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله ـ تعالى ـ بصالح أعمالكم، قال رجل منهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا فنأى بي طلب الشجر يومًا، فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلًا، أو مالًا: فلبثت والقدح على يدي انتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة. فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه.

قال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إلي فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمّت بها سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين مائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فأفرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.

وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء وأعطيتهم أجورهم غير رجل واحد، فترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله، أدِّ إلي أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله، لا تستهزئ بي، فقلت: لا أستهزئ بك، فأخذه كله، فاستاقه فلم يترك منه شيئا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فأفرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون )) [متفق عليه] [1] .

إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

[1] صحيح البخاري ح (2272) ، صحيح مسلم ح (2743) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت