فهرس الكتاب

الصفحة 2764 من 9788

أيها الأخوة في الله: إن هذه الأمة ـ أعني ـ أمة محمد r ..امتازت عن غيرها من الأمم بمزايا عظيمة ، وخصت بخصائص كريمة ، وجعلت وسطا بين الأمم ، وشاهدة على الناس كلهم ..فهي بحق أمة لها هويتها ، وهي بصدق لها تميزها وشرفها الذي فضلت به على سائر الأمم والشعوب ..وهذا التفضيل ؛ وتلك المزايا لم تنلها الأمة لسواد عيون أبنائها ، ولا لفتالة أكتاف شبابها ؟

وإنما تسنمت ذلك المرتقى ، ونالت تلك المنزلة الرفيعة ..بإقامتها لشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..يقول الله جل جلاله: ] كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله[ .

إذن تلك الخيرية ..وذاك التفضيل إنما هو لإقامة هذه الشعيرة العظيمة ..والحفاظ على سفينة المجتمع من الغرق .

ويحق لي أن أتساءل:هل لا تزال هذه الشعيرة العظيمة قائمة على أرض الواقع كما ينبغي ؟

وهل لا يزال الناس يتآمرون بالمعروف و يتناهون عن المنكر ؟ ويشعرون أنها جزء من حياتهم ..لا ينفك عنهم .

يجيبك عن هذا ..الجم الغفير والطوافان العظيم من الأمور الشركية المنتشرة في أنحاء الأرض ..والبحر المتلاطم من البدع المنتشرة في عبادات الناس ..بدع في الطهارة ، وبدع في الصلاة ، وبدع في الصيام ، وبدع في الحج ونحوها

يجيبك ..تخلف الكثيرين عن أداء الصلاة جماعة في المسجد ..انظر إلى الطرقات أثناء إقامة هذه الصلاة العظيمة ما حالهم ؟ ثم ما حالهم عند هجيعهم إلى مضاجعهم وسماعهم لنداء الله لإقامة صلاة الفجر جماعة مع المسلمين ؟!

يجيبك ..تلك الاهتمامات السامجة من شريحة كبيرة من شباب الأمة ..اهتمامات لا تتعدى صقل الوجوه ، وتسريح الشعور ، وتنميق الهندام ، وتشجيع النوادي والصراخ من أجلها.

يجيبك ..ما نراه في أسواق المسلمين وأماكن استجمامهم وخلواتهم من تبرج كثير من النساء ..وفقدانهن للحياء والستر والاحتشام .

يجيبك ..السيل الجارف والطوفان الهادر من المقالات عبر الصحف والمجلات والتي تنادي بكل شيء إلا الفضيلة وتطالب بكل شيء إلا الحشمة والحياء . إلا من رحم الله وقليل ما هم .

يجيبك ..ما نراه في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة من الصور التي تخدش الحياء ، وتذهب الفضيلة ، وتقتل العفة .

أيها الأخوة في الله: وأمام البحر المتلاطم ، والطواف العظيم من المنكرات التي يشيب لهولها الولدان ..ما موقف الغيورين على حرمات الله ؟! هل يبقون مكتوف الأيادي ؟ أم هل يكتفون بالحوقلة والاسترجاع ؟ أم يغلقوا أبوابهم ، ويمسكوا ألسنتهم ، ويبكوا على خطاياهم ؟! أم أننا نبقى في مجالسنا نبث من خلالها ..همومنا وأشجاننا ..وما نراه في يومنا وأمسنا ؟!

إن الموقف الصحيح الذي ينقذ سفينة المجتمع من الوقوع في الهوة السحيقة ..ومن خلاله يوقف أولئك العابثون في أمن الأمة ودينها ..والذي يجب على الجميع أن يدركه تماما ..ما جاء في قول النبي r:"والذي نفسي بيده لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر ..أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا ..ثم تدعونه فلا يستجاب لكم"

إذن فالسبيل الوحيد لإنقاذ الأمة وانتشالها من وهدتها ، ورفعها حتى تبلغ المكانة العالية ، والمنزلة السامية ..وتعود إليها عزتها وكرامتها من جديد ..هو إقامة شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..فإن من سنن الله الكونية أن المنكر ينحسر ويزول إذا وجد التدافع ، ووجد القائم بأمر الله تعالى ، والمتصدي بهمة عالية ، وعزيمة ثابتة ، دون أن يخيفه بريق الباطل ولمعانه وقوته ..فهو كبرق خلب سرعان ما يتلاشى وينطفي ويزول ..أمام صمود أهل الحق وثباتهم ، وإقدامهم وصبرهم ..فإذا قويت العزائم ، وخلصت النوايا ، وتكاتفت الجهود فوالله لن يقوم لأهل الباطل قائمة بإذن الله تعالى .

وحتى تعلم صدق ما أقول وأننا لا نلقي الكلام جزافا ولا ننطلق من عواطف جياشة ..بل ننطلق من نصوص شرعية ثابتة ..

يقول الله جل جلاله: ] بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون[

ويقول سبحانه: ]فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض[ .

ويخطئ البعض حينما يُطَالبون بإقامة هذه العشيرة أن يقول قائلهم: وما عسى لواحد مثلي أن تنفع كلماته أو تفيد رسائله ، وهل سأصلح هذا العالم الذي يعيش جاهلية جديدة ..أو يمكن أن أوقف الطوافان الهادر من سيل المنكرات المتتابعة !!

وهذا ـ إي وربي ـ خطئ فادح بكل المعايير ..فإننا مطالبون بمدافعة الباطل وإقامة الحجة ، وبيان المحجة للخلق ..ووعظهم وإرشادهم ،وتحذيرهم من مغبة ما هم فيه من الانغماس في الشهوات المحرمة ..وإنذارهم من عقاب الله ونكاله ، وناره وجحيمه ..أما استجابتهم وانصياعهم للحق ..فأمره إلى الله الذي بيده مفاتيح القلوب .. يقول الله جل جلاله: ]وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ، قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون[

ويكفي أن تعلم أن في إنكارك للمنكر إعلاما للناس أن ما يرتكبونه منكر و معصية لله تعالى …وليس أمرا مباحا لا غضاضة فيه ولا حرج .. و إعلاما للمفسدين في الأرض أن هناك من يسعى لإبطال كيدهم ؛ وإيقاف زحفهم أو تخفيفه ..فيضربوا لهذا ألف حساب .. يقول الله تعالى: ]فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ [ [الشورى:48] ويقول سبحانه: ] قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين [ [النور:54] ويقول: ] فهل على الرسل إلا البلاغ المبين [ [النحل:35]

ولك يا أخي أن تتأمل معي قول النبي r:"يأتي النبي ومعه الرهط ، والنبي ومعه الرجل والرجلان ، والنبي وليس معه أحد"

فيا لله العجب ..نبي يكلف بحمل رسالة ..ودعوة الناس إلى التوحيد والإيمان ..والصدع بكلمة الحق ..ومع ذلك كله ..لا يتبع دعوته أحد ؟!

إذا كان هذا مقدرًا في علم الله تعالى الأزلي فلماذا بعث إذن ؟ ولماذا أرسل ؟

إنك يا أُخي إذا أدركت سر بعث الله تعالى له وهو إبقاء رفع راية التوحيد ، والصدع بها في أرض الله وإقامة الحجة على العباد ..عندها تدرك أن احتجاجك بعدم قبول الناس لدعوتك .. ساقط من أساسه ، ومتهافت من جذوره . وأنه لا يليق بمن وقر الإيمان في قلبه أن يقولها فضلا أن يعتقدها في قرارة نفسه ويعمل بها .

ثم تأمل معي يا رعاك الله حال الجزيرة في بداية الإسلام وكيف كان الشرك قد ضرب بأطنابه في أنحائها ، وأصبح الناس يعبدون من دون الله تعالى أحجارا وأشجارا ..فهل خارت قواه r عن النهوض بأمر الله تعالى !! وهل طاف به خيال الشبهة الآنفة والتي قتلت في هذا الزمن الكثير من الطاقات وأصبحت طاقات معطلة أو مهدرة !! حاشاه r أن يفعل ذلك .

ثم أنقلك من القرن الأول إلى القرن الثاني عشر حيث عاد الشرك بأنواعه وصنوفه ، وأشكاله وألوانه ..إلى هذه الجزيرة مرة أخرى في عهد إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب وأصبح التوحيد وأهله في غربة عظيمة ..ووهن التوحيد في قلوب الناس أو زال ..فماذا صنع المجدد رحمه الله ..هل استسلم أمام التيار الجارف ؟ هل تقاعس و تكاسل ؟! هل قال الساحة ملئية بالعلماء والدعاة فهم أولى وأحرى بالإنكار .. أم قال من أنا حتى أغير هذه الجزيرة ؟! كلا ورب الكعبة ؛ بل شمر عن ساعد الجد ..وأمر ونهى وكتب وعلم .. وأرسل إلى الناس يدعوهم إلى التوحيد ونبذ الشرك ..حتى عمت الجزيرة سحابة الخير..وانقشعت عنها ظلمة الشرك ..وما تنعم به هذه الجزيرة الآن من أمن وأمان وتوحيد وإيمان ..إنما هو بفضل الله تعالى أولا ثم بفضل ذلك الإمام المجدد الذي ضحى بنفسه وماله وجهده من أجل نشر دين الله تعالى وإعادة الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم

أيها الأخوة في الله: إن المنكرات التي عمت وطمت ..تحتاج إلى وقفة جادة ..من أهل الغيرة والإيمان ..لإيقافها ..والإمساك بحجز الناس عن مقارفة الحرام ، وانتهاك حدود الله تعالى ..والمحافظة على سفينة المجتمع قبل أن يغرقها سفهاء الأحلام ، الذين ينتهكون حرمات الله أشرا وبطرا ..ورئاء الناس ..ويصدون عن سبيل الله ولله بما يعملون محيط

على أن تكون الدعوة والاحتساب ..بالحكمة والموعظة الحسنة ..وأن يتحلى بالحلم والأناة ..وأن يأتي البيوت من أبوابها ..واضعين أيديهم مع أيدي علمائهم العالمين ، ودعاتهم المخلصين .

مع الحذر الشديد من التكاسل والتخاذل ..واليأس والقنوط ..فإن هذا إعلان للانهزامية..ودفن للرؤوس في الرمال ..وإقرار للمنكر ..رضينا أم أبينا ..

وقد يتصور البعض أن صلاحه في نفسه كاف في نجاته ، وحفظ حياته ..عند نزول النقم ، وحصول العذاب ..وهذا تصور خاطئ بكل المقاييس ..فإن الله تعالى يقول: ] واتقوا فتنة لا تصبن الذين ظلموا منكم خاصة[ وفي الصحيحين عن زينب رضي الله عنها قالت: استيقظ النبي r ..يوما من نومه فزعا ..وهو يقول:"لا إله إلا الله ..ويل للعرب من شر قد اقترب"فتح اليوم ..من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا ..وحلق بين إصبعيه السبابة والإبهام ..فقالت له زينب رضي الله عنها: يا رسول الله ! أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال: نعم إذا كثر الخبث""

إذن فلن ينجو الصالحون بصلاحهم ..وإنما ينجون بإصلاحهم ..وقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..والصدع بالحق ، والجهر به أينما كانوا لا يخافون في الله لومة لائم ..يقول الله جلال جلاله: ] فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون[

أبعد ذلك ، يتواكل أقوام على غيرهم ..وينامون ملء جفونهم ..دون أن تتحرك ضمائرهم ..وترتعد فرائصهم ..خوفا من عذاب الله ..الذي قد يحل في ساعة من ليل أو نهار ..]أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون ، أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ،أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون [ .

ألا إنها دعوة للنهوض بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بها من كافة طبقات المجتمع ..كل بحسبه وعلمه وقدرته ..فالأب في منزله ، والمدير في مدرسته ، والموظف في مكتبه ،والتاجر في سوقه ، والوزير في وزارته . والمرأة في بيتها وقصور الأفراح ونحوها ..

ألا إنها دعوة لتحريك الهمم عبر الكلمات والخطب والرسائل ونحوها .

ألا إنها دعوة لزيارة العلماء والدعاة ومواصلتهم بالجديد ، وشحذ همهم وتقوية عزائمهم وحثهم للقيام بدورهم .

ألا إنها دعوة للإنكار بالاتصال تارة ..وبالرسالة تارة ..وبالزيارة تارة أخرى ..كل ذلك محفوف بأدب الإنكار والتغيير .

اللهم إنا نسألك إيمانا يباشر قلوبنا ، ويقينا صادقا ، وتوبة قبل الموت ، وراحة بعد الموت ، ونسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم ، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلة ، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين بالمعروف آمرين وعن المنكر ناهين يا رب العالمين اللهم آمنا في الأوطان والدور ، وأصلح الأئمة وولاة الأمور يا عزيز يا غفور ..سبحان ربك رب العزة عما يصفون ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت