التقوى للشيخ سلطان العيد حفظه الله خطبة مفرغة
إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله صلى الله عليه و على آله و صحبه أجمعين أما بعد:
فلقد بين الله جل و علا حكمة و فائدة من فوائد الصيام و حكمه ألا و هي حصول تقوى الله جل و علا قال الله سبحانه و تعالى {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} التقوى هي أن يجعل العبد بينه و بين غضب الله و عقابه وقاية تقيه من ذلك بفعل طاعته و ترك معصيته كما قال طلق ابن حبيب {التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله و أن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله} و قد فسر ابن مسعود رضي الله عنه تقوى الله بقوله {أن يطاع فلا يعصى و يذكر فلا ينسى و أن يشكر فلا يكفر} و قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه {التقوى هي الخوف من الجليل و العمل بالتنزيل و الرضا بالقليل و الإستعداد ليوم الرحيل} التقوى سبب للفوز و الفلاح في الدنيا و الآخرة و لها في دين الله منزلة عظمى و مما يدل على أهميتها و عظيم شأنها أمور أمور منها أن الله أوصى الأولين و الآخرين بها كما في قوله جل و علا {و لقد وصينا الذين أوتو الكتاب من قبلكم و إياكم أن اتقوا الله} و منها أن الله أمر و أوجب العمل بها في آيات كثيرة لقوله جل و علا {و اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت و هم لا يظلمون} و قوله جل و علا {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و لتنظر نفس ما قدمت لغد} و مما يدل على أهمية التقوى حثه صلى الله عليه و سلم عليها في أحاديث كثيرة من ذلك ما رواه أبو أمامة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يخطب في حجة الوداع فقال {اتقوا الله ربكم و صلوا خمسكم و صوموا شهركم و أدوا زكاة أموالكم و أطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم} رواه الترمذي و صححه العلامة الألباني.و من ذلك وصيته صلى الله عليه و سلم لمعاذ ابن جبل حيث قال له {اتق الله حيث ما كنت و أتبع السيئة الحسنة تمحها و خالق الناس بخلق حسن} خرجه الإمام الترمذي و قال حسن صحيح.قال العرباض ابن سارية رضي الله عنه وعضنا رسول الله صلى الله عليه و سلم موعضة وجلت منها القلوب و ضرفت منها العيون و قلنا يا رسول الله كأنها موعضة مودع فأوصنا فقال {أوصيكم بتقوى الله و السمع و الطاعة} الحديث...
قال الحافظ ابن رجب {فهاتان الكلمتان تجمعان سعادة الدنيا و الآخرة.أوصيكم بتقوى الله و السمع و الطاعة.كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو ربه و يسأله التقوى ففي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقولاللهم إني أسألك الهدى و التقى و العفاف و الغنى} و مما يدل على عظيم منزلة التقوى أنها أكثر ما يدخل الجنة لقوله صلى الله عليه و سلم لما سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال {تقوى الله و حسن الخلق} رواه الترمذي.و أما صفات المتقين فقد ذكرها الله في مواضع من كتابه و من ذلك قوله جل و علا {ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب و يقيمون الصلا ة و مما رزقناهم ينفقون و الذين يأمنون بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك و بالآخرة هم يوقنون أولائك على هدى من ربهم و أولائك هم المفلحون} و وصفهم الله بالإيمان بالغيب و إقام الصلاة و الإنفاق في طرق الخير و أنهم يأمنون بالقرآن و ما قبله من الكتب المنزلة و أنهم بالآخرة يوقنون أما الموضع الثاني فهو قول ربنا جل و علا {و سارعوا إلى مغفرة من ربكم و جنة عرضها السماوات و الأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء و الضراء و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و الله يحب المحسنين و الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم و من يغفر الذنوب إلا الله و لم يصروا على ما فعلوا و هم يعلمون أولئك جزائهم مغفرة من ربهم و جنات و جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و نعم أجر العاملين} و وصفهم ربنا بالإنفاق في العسر و اليسر و كظم الغيظ و العفو عن الناس و المبادرة بالتوبة و الإستغفار إذا أذنبوا و أنهم لا يصرون على المعاصي و من صفات المتقين ما ذكره الله في قوله {إن المتقين في جنات و عيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلا من الليل ما يهجعون و بالأسحار هم يستغفرون و في أموالهم حق للسائل و المحروم} و وصفهم الله بالإحسان في عبادة الله و الإحسان إلى عباد الله و بقيام الليل و الإستغفار بالأسحار و الإنفاق على الفقراء الذين يطلبون من الناس و الذين لا يسألونهم معاشر الصائمين إن للتقوى ثمرات يجنيها المتقي في الدنيا و الآخرة فمن ثمراتها الإنتفاع بالقرآن و الإبتداء به لقوله جل و علا {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} و منها أن الله مع المتقين يؤيدهم و ينصرهم قال الله جل و علا {و اتقوا الله و اعلموا أن الله مع المتقين} و منها الفوز بجنات النعيم لقوله عز و جل {للذين اتقوا عند ربهم جنات جنات تجري من تحتها الأنهار} و قوله سبحانه و تعالى {تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا} و قوله سبحانه {قل متاع الدنيا قليل و الآخرة خير لمن اتقى و لا تظلمون فتيلا} و من ثمراتها أن المتقين تقرب لهم الجنة كما قال الله جل و علا {و أزلفت الجنة للمتقين غير بعيد} و منها أن صحبة المتقين و محبتهم دائمة في الدنيا و الآخرة و كل صحبة غيرها فإنها تنقلب يوم القيامة إلى عداوة {الأخلاء يوم إذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} و منها أن المتقين في مقعد صدق عند ربهم قال الله جل و علا {إن المتقين في جنات و نهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر} و منها محبة الله للمتقين لقوله صلى الله عليه و سلم {إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي} خرجه الإمام مسلم.و من ثمراتها فتح البركات من السماء و الأرض {و لو أن أهل القرى آمنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و الأرض و لكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} و منها توفيق صاحب التقوى للتفريق بين الحق و الباطل لقوله جل و علا {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا يجعل لكم فرقانا و يكفر عنكم سيئاتكم و يغفر لكم} و منها العاقبة الحميدة الحسنة في الدنيا و الآخرة لقوله جل و علا {و أأمر أهلك بالصلاة و اصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك و العاقبة للتقوى} و من ثمراتها تيسير الأمور و تفريج الكربات لقوله جل و علا {و من يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب} و قوله سبحانه و تعالى {و من يتق الله يجعل له من أمره يسرى} و منها تكفير السيئات لقوله جل و علا {و لو أن أهل الكتاب آمنوا و اتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم و لأدخلناهم جنات نعيم} اللهم إنا نسألك الجنة و ما قرب إليها من قول و عمل و نعوذ بك من النار و ما قرب إليها من قول و عمل أقول هذا و أستغفر الله.
الحمد لله رب العالمين و لا عدوان إلا على الظالمين و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله صلى الله عليه و على آله و صحبه أجمعين أما بعد:
فكيف كان هدي النبي محمد صلى الله عليه و سلم في هذا الباب العظيم و الخصلة الحسنة تقوى الله جل و علا لقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يخبر عن نفسه أنه أتقى الناس لله فعن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال جاء ثلاثة رهت إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه و سلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه و سلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا و أين نحن من النبي صلى الله عليه و سلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر قال أحدهم أما أنا فأصلي الليل أبدا و قال آخر أنا أصوم الدهر و لا أفطر و قال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا فجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال {أنتم الذين قلتم كذا و كذا فما و الله إني لأخشاكم لله و أتقاكم له لكني أصوم و أفطر و أصلي و أرقد و أتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني} متفق عليه.و كان النبي صلى الله عليه و سلم يرغب في العمل الصالح الموصل للتقوى و إن قل فعن علي ابن حاتم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال {اتقوا النار و لو بشق تمرة} خرجاه في الصحيحين.
و كان صلى الله عليه و سلم يوصي أزواجه بتقوى الله فعن أنس رضي الله عنه قال بلغ صفية بنت حيين أم المؤمنين رضي الله عنها أن حفصة قالت في شأنها بنت يهودي فبكت صفية فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم و هي تبكي فقال ما يبكيك فقالت قالت لي حفصة إني بنت يهودي فقال صلى الله عليه و سلم {إنك لابنت نبي و إنك لتحت نبي ففيما تسخر عليه} ثم قال {اتق الله يا حفصة} خرجه الإمام أحمد و غيره.و كان صلى الله عليه و سلم يوصي بتقوى الله و العدل بين الأولاد يوصي بتقوى الله في معاملة الأولاد فعن النعمان ابن بشير رضي الله عنه قال تصدق علي أبي ببعض ماله فقالت أمي عمرت بنت رواحه لا أرضي حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فانطلق أبي إلى النبي صلى الله عليه و سلم ليشهده على صدقته و قال عليه الصلاة و السلام خر {أفعلت هذا بولدك كلهم قال لا فقال صلى الله عليه و سلم اتقوا الله و اعدلوا في أولادكم قال فرجع أبي فرد تلك الصدقة.} خرجه الشيخان.
و كان صلى الله عليه و سلم يحث على مصاحبة أهل التقى و الإيمان فعن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال {لا تصاحب إلا مؤمنا و لا يأكل طعامك إلا تقي} رواه أبو داوود و الترمذي.
سأل رجل أبا هريرة رضي الله عنه ما التقوى فقال {هل أخذت طريقا ذا شوك قال نعم قال فكيف صنعت قال إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه قال ذاك التقوى} و عن مالك ابن أنس رضي الله عنه قال بلغني أن رجلا من بعض الفقهاء كتب إلى ابن الزبير رضي الله عنهما يقول {ألا إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها و يعرفونها من أنفسهم من رضي بالقضاء و صبر على البلاء و شكر على النعماء و صدق في اللسان و وفى بالوعد و العهد و تلا لأحكام القرآن} و قال عمر ابن عبد العزيز رحمه الله {التقي ملجم لا يفعل كل ما يريد} فيا معاشر الصائمين اتقوا الله سبحانه و تعالى اتقوا الله و لتنظر نفس ما قدمت لغد استعدوا رحمكم الله بالعمل الصالح فإن نصف شهركم المبارك قد انقضى و بقي نصفه الآخر فبادروا بالعمل الصالح و اغتنموا الليل و النهار فإنكم مقبلون على العشر الأواخر من شهر رمضان و التي كان النبي صلى الله عليه و سلم يعتكف فيها و كان السلف يعتكفون العشر الأواخر و يطلبون ليلة القدر لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد بشر من قام ليلة القدر بقوله {من قام ليلة القدر إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه} و عليكم بالصدقة و الإنفاق على المحاويج فإن هذه هي سنة الخليل المصطفى صلى الله عليه و سلم فلقد كان جبريل يأتي النبي صلى الله عليه و سلم كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم حين يدارسه جبريل القرآن أجود بالخير من الريح المرسلة و الشهيد أيضا في إطعام الصائمين فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم بشركم بقوله {من فطر صائما فله مثل أجره} و من استطاع أن يأدي عمرة فيما بقي من شهر رمضان فليتدارك هذا العمل الصالح فليتدارك هذا العمل الصالح لقوله صلى الله عليه و سلم {عمرة في رمضان تعدل حجة} أو قال {حجة معي} و سلوا الله جل و علا القبول سلوه أن يتقبل منكم عملكم الصالح فإن إبراهيم و إسماعيل لما قاما بذلك العمل الصالح العظيم بناء بيت الله الحرام دعو الله جل و علا فقالا {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد اللهم أعز الإسلام و المسلمين و أذل الشرك و المشركين ودمر أعداء الدين و اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا و سائر بلاد المسلمين اللهم آمنا في دورنا و أصلح أئمتنا و ولاة أمورنا و اجعل ولايتنا فيمن خافك و اتقاك و اتبع رضاك يا رب العالمين اللهم من أرادنا و علمائنا و ولاة أمرنا و جنودنا بسوء اللهم رد كيده في نحره و اجعل تدبيره تدميرا عليه يا سميع الدعاء اللهم اكفناهم بما تشاء إنك أنت السميع العليم اللهم تقبل منا صيامنا و قيامنا و دعائنا اللهم لا تردنا خائبين اللهم لا تردنا خائبين اللهم لا تردنا خائبين اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أنزل علينا الغيث و لا تجعلنا من القانتين و اجعل ما أنزلته قوة لنا على طاعتك و بلاغ إلى حين اللهم اسقنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا اللهم إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنا عن سقياك لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار اللهم صل و سلم و بارك على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين.