فهرس الكتاب

الصفحة 1547 من 9788

عنوان الخطبة

اسم الخطيب

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

ملخص الخطبة

1-من أخلاق المؤمن حب الخير لإخوانه وبذل النصيحة لهم. 2- بذل النصيحة خلق الأنبياء عليهم السلام. 3- آداب النصح. 4- الخطأ من طبيعة البشر. 5- النصيحة عامة لكل أحد. 6- الفرق بين الناصح الصادق والمتتبع للعورات.

الخطبة الأولى

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، إن من أخلاق المؤمنين محبة بعضهم لبعض، (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ) [1] . وإن من أخلاق المؤمنين مولاةَ بعضهم لبعض موالاةً تقتضي النصيحةَ والإخلاص لها، وتقتضي محبَّة المؤمن، وَ?لْمُؤْمِنُونَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?تِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة:71] . ومن أخلاق المؤمنين تألم البعض بألم البعض، فهم كالجسد الواحد، يتألم الكل بتألُّم البعض، (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) ) [2] ، وهم كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضًا، متى ما اختلَّت لبنة من لبن البناء أدى إلى انهيار البناء وضعفه.

ومن أخلاق المؤمن أن المؤمن مرآة لأخيه المؤمن، إن رأى خيرًا شجَّعه على الخير، ورغَّبه فيه، وحثه على الاستمرار عليه، وإن رأى خللًا، إن رأى خطأً، إن أبصر نقصًا، إن نظر إلى مخالفة للشرع، فإنه يسعى في تسديد أخيه المسلم. وفي نصيحته وفي إنقاذه من الخطأ، وفي دعوته للصواب، وَ?لْعَصْرِ إِنَّ ?لإِنسَـ?نَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ وَتَوَاصَوْاْ بِ?لْحَقّ وَتَوَاصَوْاْ بِ?لصَّبْرِ [العصر:1-3] .

أيها المسلم، إذًا فبذلُ النصيحة لإخوانك المسلمين أفرادًا وجماعة دالٌّ على إيمانك وحبك الخير لإخوانك المؤمنين، وبذلُ النصيحة للمؤمنين أخلاق أنبياء الله عليهم جميعًا أفضل الصلاة وأتم التسليم. هذا نوح يقول لقومه: وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ?للَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف:62] ، وهذا هود عليه السلام يقول لقومه: وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ [الأعراف:68] ، وهذا صالح عليه السلام يقول لقومه: وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ?لنَّـ?صِحِينَ [الأعراف:79] ، وشعيب عليه السلام يقول لقومه: وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ءاسَى? عَلَى? قَوْمٍ كَـ?فِرِينَ [الأعراف:93] ، ومحمد أعظم خلق الله نصحًا لأمته لكمال شفقته ورحمته بهم قال تعالى عنه: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِ?لْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة:128] ، وهو القائل: (( ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدلَّ أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم ) ) [3] ، وهو الآخذ بحجزنا عن النار، ولكننا نتفلَّت منه صلوات الله وسلامه عليه أبدًا دائمًا إلى يوم الدين. فلا خير إلا هدانا له وبينه لنا، ولا شر إلا بينه لنا وحذرنا منه، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك.

أيها المسلم، مقتضى المحبة الإيمانية والأخوة الإسلامية، مقتضاها أن تبذل النصيحة لأخيك، عندما ترى مخالفةً ويقع نظرك على خطأ فتبذل النصيحة لأخيك المسلم إنقاذًا له من عذاب الله، وأخذًا بيده لما فيه صلاح دينه ودنياه. ولكن هذه النصيحة تحتاج إلى ضوابط لتكون نصيحة مؤثرة، نصيحة نافعة، نصيحة تؤدي الغرض منها.

فأولًا: إخلاصك في نصيحتك، فالحامل على النصيحة إخلاصٌ لله، ثم لأخيك المسلم، ليست نصيحتك رياءً وسمعة، ولا افتخارًا بها، ولا تعلٍ بها، ولا استطالة على الخلق، ولا أن يكون لك رفعة ومكانة، ولكنها نابعة من قلب صادق محب للخير، ساع له. والمخلصون في نصيحتهم هم الذين يضعون النصيحة موضعَها، لا يتحدثون بها، ولا يفتخرون بها، ولكنها سرٌ وأمانة بينهم وبين من ينصحون له، لأن هدفهم وغايتهم صلاح أخيهم المسلم، واستقامة حاله، وحماية عرضه، وليس هدفهم الاستطالة والترفع على الناس.

ولا بد أن يكون هذا الناصح عالمًا بما ينصح، فكم من متصوِّر للخطأ أنه صواب فيدعو إلى غير هدى، وينصح بلا علم، فربما أفسد أكثر مما يريد أن يصلح، إذًا فالعلم بحقيقة ما تنصح له، بأن تعلم الخطأ على حقيقته، وتعلم كيف تخلص أخاك المسلم من تلك الهلكة.

وثالثها: لا بد أن تكون بعيدًا عن التشهير والتعيير والشماتة بالمخالف، فإن المعيِّر للناس الشامت بهم الفَرِح بعوراتهم المتطِّلعَ إلى عيوبهم الحريصَ على أن يرى العيب والخطأ فهذا ليس بناصح ولكنه مسيء وضاره. وهذا النوع من الناس لا يوفَّقون للخير؛ لأنهم لم يقصدوا الخير أصلًا، وإنما اتخذوا الدين والخير وسيلةً للنيل ممن يريدون النيلَ منه. ولهذا ترى هذا الشامت وهذا الفَرِح بالعيوب والنقائص ينصح علانية، ويُظهر الأمر أمام الملأ لكي يَحُطَّ من قدر من يظنُّ أنه ينصحه، ولكي يُطْلع الناس على عيوب خفيَت عن الآخرين، فيكون بذلك مسيئًا لا مصيبًا، ومفسدًا لا مصلحًا، وفاضحًا لا ساترًا. ولهذا يُروى: (( من عيَّر أخاه بذنب لم يمت حتى يفعله ) ) [4] ، وفي الأثر: (( لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك ) ) [5] .

أيها المسلم، النصيحة لجماعة المسلمين وأفرادهم، النصيحة للجميع، فنصحُك ـ أيها المسلم ـ عام لجميع المسلمين أفرادًا وجماعة على قدر استطاعتك وقدر نفوذك، وكلٌ يؤدي ما يستطيع أداءَه.

أخي المسلم، إننا معشرَ البشر لا بد فينا من أخطاء، والمعصوم من عصم الله، فلا بد من أخطاء في البشر، نسي آدم فنسِيتْ ذريتُه، لا بد من أخطاء، ولو تبصَّر الإنسان في نفسه لأبصر عيوبَه وأخطاءه، واشتغل بها عن عيوب الآخرين، كلُّنا خطَّاء، وخير الخطائين التوابون، كلنا عرضةٌ للزلل والخطأ والتقصير في الواجب أو ارتكاب شيء مما خالف الشرع لو تبصر المسلم حقًَّا. فإذا كنا كذلك فالواجب على الجميع التناصح فيما بيننا، فلعل أخاك المسلم وقع في تلك المخالفة إما غفلةً منه، إما جهلا بالحكم، أو غفلةً وسهوا وسيطرة شهوات وهوى وجلساء سوء ودعاة ضلال، لعله عرض له أمر ظنَّ أن ما هو عليه حقٌّ والواقع أنه خطأ ومخالف للشرع.

أخي المسلم، إذًا فلا بد من ترويض نفسك على الصبر والاحتساب، ومخاطبة الناس على قدر عقولهم وأفهامهم، لتعلم حال من تنصحه، أخلاقُه تقبُّله لما تدلي إليه من نصيحة، حسن تقبُّله أو عدم تقبله، وكيف حاله وكيف طريقة نصحه؛ لأن هدفك الوصول إلى الحق، وإنقاذ المسلم مما هو واقع فيه من الخطأ.

أخي المسلم، فكن لله ناصحًا، وكن لعباد الله ناصحًا، نصيحةً تنبع من قلب مليء بالرحمة والمحبة والشفقة وحسن القصد، لا عن خيانة وغش واستطالة وترفُّع على الناس.

أخي المسلم، تجد مخالفةً في بيتك من أبناء وبنات وإخوان وأخوات وآباء وأمهات، فلا بد من نصيحة للجميع على قدر حالهم، تنصح أباك إن رأيت مخالفة، ولكن بأدب وشفقة وبر وإحسان ومعاملة بالمعروف، تراعي كبرَ السن، وتراعي أدب التحمُّل، وتراعي كل الظروف، وتنصح الأمَّ إن رأيت خطأ، وتنصح البنين والبنات، والإخوة والأخوات، وتنصح الأرحام والجيران، ولتكن النصيحة منك عامة للفرد والجماعة.

ترى مسلمًا يتهاون بأمر الصلاة فتنصحه لله نصيحةَ الخير، ترغِّبه في الفريضة، وتبين له أهميتها وآكديتها، وأنها الركن الثاني من أركان الإسلام، وأنها عمود الإسلام، وأن المتخلف عنها والمضيِّع لها معرِّضٌ نفسَه لأن يوصف بالكفر والشرك.

ترى مسلمًا يغلب على ظنك عدم أدائه الزكاة، وأنه ذو ثروة عظيمة، فتخوفه من الله فيما بينك وبينه، وتبيّن له عواقب منع الزكاة، وآثام مانعي الزكاة، وما يترتب على ذلك من الوعيد فيما بينك وبينه، فلعل موعظة تقع في قلبه، فتحركه للخير وتحمله على الجود بالواجب.

وترى من يقصر في صيامه أو يسيء فيه، أو من لم يؤدِّ الحج، وكل ذلك لتنصحهم لله.

ترى مسلمًا جافيًا لأبويه، عاقًا لهما، مسيئًا لهما، فتنصحه وتحذره من القطيعة، وتبين له عاقبة عقوق الرحم، وأن عقوق الوالدين من كبائر الذنوب، وأنه سبب لمحق بركة العمر والعمل والرزق والولد.

وترى من يقطع رحمه فتسعى في نصيحته وحمله على الصلة بالرحم وبر الأرحام والإحسان إليهم.

ترى مسلمًا لا يتقي الله في معاملاته في البيع والشراء، فتنصحه لله، وتحذره من المخالفات.

ترى مسلمًا انخدع بجلساء سوء، وشُلَل فساد ورذيلة، فتحذره من تلك المجتمعات الشريرة، وتربأ به إلى الخير، وتحذِّره من أولئك، ليكون على بصيرة من أمره، فيستقيم على الخير والهدى.

أيها المسلم، ومن خلال أي موقع أنت فيه فقد ترى من بعض المسؤولين شيئًا من المخالفة، فلا تدع النصيحة لله بينك وبين ذلك المسؤول، أن تبيِّن له الأخطاء التي ارتُكبت، والتقصير الذي حصل، والمخالفات التي وقعت، لتبين له الأخطاء لا نميمةً تسعى بها لتضر هذا وتنفع هذا، ولكن نصيحة للإصلاح والقيام بالواجب، وعدم الإخلال بالأمانة، وليكن ذلك بينك وبينه سرًا، ليثِق بك ويعلم صدقَك وأن هدفك الخير والإصلاح. ولهذا تنصح أيَّ مسؤول كان، لكن مع التزام الأدب، وكتمان النصيحة وسريتها، لتؤدي غرضها، وتؤدي الهدف منها، أما من يشيع كل شيء قاله، وكل أمر نصح فيه، فإنما يريد مكانةَ نفسه، ولا يريد الخير للمسلمين.

فلنكن ـ إخوتي المسلمين ـ ملتزمين بهذا الأدب في نصيحتنا لأي فرد منا، وليكن ذلك بحكمة ولين ورفق حتى تؤدي النصيحة مفعولها، ولهذا يقول الله لنبيه: فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ?للَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ ?لْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] ، والله جل وعلا حذرنا من أن نشيع الفاحشة فينا، قال تعالى: إِنَّ ?لَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ?لْفَـ?حِشَةُ فِى ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى ?لدُّنْيَا وَ?لآخِرَةِ وَ?للَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النور:19] ، قال بعض السلف: إن النصيحة علانية وتبيين معاصي العباد، إنه نوع من الهوان على الإسلام وأهله. فليحذر المسلم أن ينشر معائب المسلمين، ويتحدث عن أخطائهم علانية، فلا يقبلوا منه نصيحةً إن نصح، ولا يقبلوا منه توجيها إن وجَّه؛ لأنهم يعلمون أنه يتاجر بتلك النصيحة، يريد بها مكانة لنفسه وعزًا لنفسه، وهو لا يدري أنه بذلك أسخط ربه، لأن الناصح الهادف من نصيحته يتلمَّس الخير ويبحث عن الطرق التي يوصل بها النصح لكي يستفيد ويفيد. همُّه إصلاح المسلمين، لا همُّه مصلحته الذاتية، ولا يتخذ من النصيحة وسيلة لتجريح الناس وعيبهم، والسعي بالنميمة فيما بينهم، فيفرق أخوَّتهم، أو يحدث النزاع بينهم، إنما يهدف من نصيحته التوفيق والإصلاح: إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ?لإِصْلَـ?حَ مَا ?سْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بِ?للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88] هكذا يقول شعيب عليه السلام، ونوح يقول لقومه: وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ [هود:34] ، لأنه أدام النصحَ لهم، أخبر الله عنه أنه دعا قومه لله سرًا وجهارًا ليلًا ونهارًا، كل ذلك حرص على هدايتهم، وحرص على صلاح قلوبهم، والأمر بيد الله. إنما على المسلم أن ينصح لله الأفراد والجماعة، وكل على قدر حاله، وكل على حسب منزلته، وأن الأدب في النصيحة والإخلاص فيها وكتمانها وإيصالها إلى المنصوح بالطرق الجيدة، أن ذلك يترك أثرًا عظيمًا، أما الشماتة بالناس، ونشر عيوبهم، والتحدث عن أخطائهم، وكأنه أعطي أمانًا من الخطأ، وكأنه أعطي عصمةً من الزلل، فهذا الدرب من الناس لا همّ لهم إلا تجريح الناس، والنيل منهم، فعياذًا بالله من حالة السوء، أما المؤمن فهو بخلاف ذلك، وليٌّ لأخيه، يحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه البخاري في الإيمان (13) ، ومسلم في الإيمان (45) من حديث أنس رضي الله عنه.

[2] أخرجه البخاري في الأدب (6011) ، ومسلم في البر (2586) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.

[3] أخرجه مسلم في الإمارة (1844) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في حديث طويل بنحوه.

[4] يروى مرفوعا، أخرجه الترمذي في الزهد (2505) من طريق خالد بن معدان عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، وقال:"هذا حديث غريب، وليس إسناده بمتصل، وخالد بن معدان لم يدرك معاذ بن جبل"، وفي إسناده أيضا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني متهم بالكذب، ولذا أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات، وحكم عليه الألباني أيضا بالوضع في السلسلة الضعيفة (178) . ويروى عن الحسن البصري رحمه الله، أخرجه عبد الله في زوائد الزهد (ص281) بإسناد ضعيف.

[5] يروى مرفوعا، أخرجه الترمذي في الزهد (2506) ، والطبراني في الأوسط (3739) ، والقضاعي في مسند الشهاب (917) من طريق مكحول عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب"، وحكم عليه ابن الجوزي والقزويني بالوضع، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (6245) .

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، الناصحون لعباد الله أهلُ أدب ورحمة، الناصحون لعباد الله أهل صدق وإخلاص، الناصحون لعباد الله أهلُ محبةٍ ومودة لإخوانهم المسلمين، الناصحون لله صادقون في أقوالهم وأعمالهم، الناصحون لله لا تسمع منهم شماتة بأحد، ولا تحدثًا عن عيوب أحد، ولا كشفًا عما خفي على الناس من عيوب الناس. إن استطاعوا أصلحوا الأخطاء، وإن استطاعوا وجَّهوا ودعوا إلى الخير، وإن تعسَّر ذلك عليهم ستروا على الناس وقالوا: الأمر بيد الله، يهدي الله من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله وهو الحكيم العليم. لا يتخذون من النصيحة موقفًا للشماتة، ولا دعوةً لكشف عورات الناس، لا يهمُّهم إلا أن يصلُح الناس، وإن تعذَّر الأمر عليهم فقد أدَّوا الواجب فيما بينهم وبين الله، والله جل وعلا له الحكمة في خلقه، وهو الحكيم الخبير العالم بعباده. ولكن أهل النصيحة ليسوا شامتين للناس، ولا عائبين للناس، ولا فرحين بأخطاء الناس، وإنما يفرحون أن يروا إخوانهم على الطريق المستقيم، أن يروا إخوانهم متمسكين بهدي الإسلام، أن يروا إخوانهم عاملين بشرع الله، هكذا سرورهم وفرحهم، وحزنهم إن رأوا من عباد الله شيئًا من النقص والخطأ، فعند ذلك يحزنون على إخوانهم، ينظرون لهم بعين الرحمة، وأن أولئك ضُعفاء تسلَّط عليهم عدوُّهم إبليس والنفس الأمارة بالسوء، فهم ينظرون إليهم بعين الرحمة، وينظرون إليهم بعين الحكمة، فهم جادُّون في النصيحة ما وجدوا لذلك سبيلا، فإن أثرت نصيحتهم حمدوا الله على التوفيق، وإن لم تؤثر حمدوا الله أنهم أدوا الواجب عليهم، وأمر العباد إلى الله، لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـ?كِنَّ ?للَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء [البقرة:272] .

واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.

وصلوا ـ رحمكم الله ـ على عبد الله ورسوله محمد امتثالًا لأمر ربكم قال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيما [الأحزاب:56] .

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت