ولما بلغ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بقيع الغرقد كبّروا ،وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة يصلي ،فلما سمع تكبيرهم كبر ،وعرف أنهم قد قتلوه ،فانتهوا إليه.
فلما رآهم قال: أفلحت الوجوه ،فقالوا: ووجهك يا رسول الله ورموا برأسه بين يديه ،فحمد الله على قتله. وأصبحت يهود مذعورين ،فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: قتل سيدنا غِيلة، فذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم صنيعه وما كان يحرض عليه ويؤذي المسلمين به. فخافوا فلم ينطقوا ،وقال أبو نائلة:فأصبحنا وقد خافت يهود بوقعتنا بعدو الله ،فليس بها يهودي إلا وهو خائف على نفسه. فصاحب الشر والفساد إذا كان يعلم بأن هناك جهة ستؤدبه ارعوى ، ولو صنعنا ذلك ،لدخل كثير من المفسدين والشهوانيين وأصحاب الأفكار المنحرفة إلى جحورهم، لكن في حالة غياب المؤدب تلعب الفئران كيفما شاءت. قال كعب بن مالك رضي الله عنه ،في قتل بن الأشرف:
فذلت بعد مصرعه النضير
علته بأيدينا مشهرة ذكور
إلى كعب أخا كعبٍ يسير
ومحمود أخو ثقةٍ جسور
فغودر منهم كعب صريعًا
على الكفين ثم وقد
بأمر محمد إذ دسّ ليلًا
فما كره فأنزله بمكر
لقد كانت حادثة قتل كعب بن الأشرف بداية سلسلة المواجهة مع اليهود بالمدينة. وكانت غزوة بدر هي التي أخرجت كوامن نفوسهم ،يزعجهم جدًا أن يروا التمكين للإسلام وأهله ،وللإيمان ودعاته، فغلت قلوبهم بالحقد ،فكانت بداية تناثر الخرز المهين من عِقد الحقد اليهودي على المسلمين ،وكانت أول خرزة تغادر هذا العقد بغير رجعة ،هي خرزة ،كعب بن الأشرف ،ثم تلتها باقي المنظومة تتهاوى وتتساقط أمام سيوف لا إله إلا الله.