والتفريط في ارتكاب المظالم الصغيرة مَهلكةٌ يؤدي اعتيادها إلى ارتكاب ما هو أعظم والرضى بها ، وربما أودت إلى أكبر الكبائر وهي الشرك بالله ، و إن ملابسة المؤمن للظلم أمر خطير ، فكلما ازدادت ملابسته له خلع الأمن عنه والإيمان ، و في الصحيح: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ، ولا يَنتَهِبُ نُهبة ذاتَ شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) 5 . والأمن مطلب يُفزع إليه ، والخوف من فواته يلزمه حرص شديد ، ووعي رشيد ، وصدق حميد ، وقد فرط كثير من الناس أفرادا أو مجتمعات بلوازم الأمن الإيماني ، وفتحوا أبواب الخوف الشيطاني لقلوبهم تستقي منها فيزدادون خبالا وضياعا ؛ أما الخوف الرباني فضعف فيهم فدالت دولة شجاعتهم ، وأرجفت الشياطين فيهم تزرع فيهم خوفا لا يعرفه المؤمن ولا ينبغي له أن يرضى به فحرمتهم بذلك من سكينة الإيمان ، والخوف في الإنسان فطرة إما أن تتجه إلى محاريب العبودية فتكون لله وإما أن تنحرف إلى المخاريق الضلالية فتكون للباطل وأهله ، وكلما ازدادت الصلة بالله ومعرفته زادت شجاعة العبد في مواجهة الباطل وأحس بالأمان وفارقه الخوف ، وكلما وهت الصلة مع الله زاد جبن العبد وذله بين يدي الباطل وركبه الخوف وفارقه الأمن والإيمان.
الأمر يشابه تماما ما حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم منه أمته في حديث البخاري ومسلم عن الدجال الذي يخرج في آخر الزمان: (إن الدجال يخرج وإن معه ماء ونارا ، فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق وأما الذي يراه الناس نارا فماء بارد عذب ، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارا فإنه ماء عذب طيب) 6 ، وكذلك الباطل تزداد مساحته بمقدار ما تعطيه من نفسك فإن حاصرته وقطعت أسبابه فَنيَ ؛ فلا تجد إلا حقا والحق منصور (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) 7 .