وقوله تعالى: (( مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) )أي: حرَّم الله ما أُعلِن وما أسِرَّ من المعاصي، ما هو من أعمال الجوارح المشاهدَة وما هو من أعمال القلوبِ المخبَّأة المستُورةِ كالكِبر والحسَد والغلّ والخيانة والمَكر والخديعة والنِّفاق وبُغض ما أحبَّ الله وحُبِّ ما يكره الله تعالى.
(( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ) )، والنفسُ التي حرَّم الله قتلَها هي نفسُ المسلِم، ونفسُ المعاهَد الكافر الذي له أمانٌ من الإمام، والكافر غيرُ المحارب وإن لم يكن له أمان فيحرُم قتلُه، وفي الصحيحين عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: (( لا يحلّ دمُ امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيّب الزاني، والنفسُ بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) )رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه ، وفي الحديث: (( مَن قتل معاهَدًا لم يرح رائحة الجنة ) )أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. وفي الحديث أيضًا: (( لا يزال المسلمُ في فُسحةٍ من دينه ما لم يصِب دمًا حرامًا فإذا أصابه بَلَح ) )أي: أعيَى وانقطع وضاقَ عليه الأمر جدًّا.
(( ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ ) ): عهِد إليكم بما تُلِي عليكم وأمَركم به لتحفظُوه وتعملُوا به.
(( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) )أي: تعقِلون النافعَ من الضارّ، فتعمَلون بما ينفع، وتتركون ما يضرّ. والحِكمة في قوله تعالى: (( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) )أنَّ مضارّ هذه المحرَّمات ومفاسدَها يُعلَم بالعَقل لمن تدبَّر ذلك، والشرع بيَّن تفصيلَ مفاسِد ومضارّ هذه المحرّمات، فمن منعه عقلُه عن هذه المحرَّمات فهو العاقلُ حقًّا، ومن لم يمنعه عقلُه عن هذه المحرَّمات فهو السفيهُ الذي لا عقلَ له، فأيُّ قبحٍ وجُرم أعظمُ من الشّرك بالله تعالى ثمّ عقوق الوالدين وعمل الفواحش وقتلِ النفس التي حرَّم الله؟!