على كل معالم الدين المنزل ومحو لهذه المعالم محوا كاملا، ولهذا نجد أوائل المؤلفين في التصوف يرددون الإنذار والتحذير من الوقوع في وحدة الوجود، ويكررون بأن الله تعالى مخالف للحوادث مخالفة تامة، وأن أي اتصال به يوصف بأنه اتحاد بذاته، كفر وضلال [1] .
أما وحدة الشهود فمعناها الفناء عن شهود التكثر والتعدد لا نفي هذا التكثر والتعدد في ذاته ذلك الذي يؤكده مذهب وحدة الوجود، فالمؤمن بوحدة الشهود لا يشهد في الوجود إلا الله، أما المؤمن بوحدة الوجود فهو يسقط التكثر والتعدد في الوجود العيني، ولا شك أن هناك فارقا بين الغيبة عن شيء (التكثر) وبين نفي هذا الشيء. وهذا هو الفارق بين مذهب وحدة الوجود ووحدة الشهود.
ووحدة الشهود حال أو تجربة يعانيها الصوفي لا عقيدة ولا علم ولا دعوى فلسفية يحاول برهنتها أو يطالب الغير بتصديقها [2] .
بعد هذه المقدمة الموجزة لبيان الفرق بين وحدة الوجود ووحدة الشهود يمكننا أن نجيب عن الأسئلة التي أثيرت من قبل:
نحن نعرف أن الطيور بعد أن حظيت بحضرة السيمرغ وبعد أن أضاءت بجوارهم شمس القرب. وجدت الطيور أنهم في مقابل ثلاثين طائرا، أي أنهم في مقابل أنفسهم وقد أجاد العطار في ذلك الموقف استعمال الجناس بين كلمتي «س مرغ» بمعنى «ثلاثين طائرا» و «سيمرغ» إله الطير، فقد رأت الطير أنفسها السيمرغ بالتمام، كما رأت أن السيمرغ هو أنفسها بالتمام فلم تعد ترى فارقا بينها وبين السيمرغ فما كان منها إلا أن طلبت من السيمرغ شرح هذا الحال،
(1) نيكلسون: في التصوف الاسلامي ص: 103102.
(2) الدكتور أبو العلا عفيفي: التصوف: الثورة الروحية في الاسلام ص: 185.