فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 454

أيضا، وما أصابت جميع الأرواح شيئا من ذاتك، وقد نثر الأنبياء أرواحهم على تراب طريقك، وإذا قدر للعقل أن يدرك أثرا من آثار وجودك، فلن يستطيع مواصلة الطريق لإدراك كنهك، ولما كنت الخالد الأوحد في الوجود، فالفناء نصيب الجميع على الدوام.

فيا خفيا في الروح وأنت خارجها، إن كل ما أقوله ليس أنت، وهو أنت أيضا، ويا من وقف العقل مشدوها أمام أعتابك، لقد أفقدته الاتزان في المسير صوبك، بك أرى العالم عيانا بالتمام، ولكن لا أرى أي علامة منك في هذا العالم، لقد استمد كل شخص منك علامة، ولكنني يا عالم الأسرار لم أجد لنفسي منك أي علامة، ومهما أمعن الفلك النظر بعيونه العديدة، فما رأى ذرة تراب واحدة في طريقك، وما رأت الأرض قط ذرة من ترابك، مهما بعثرت من تراب على رأسها لهفة عليك. أما الشمس فطار عقلها شوقا إليك، كما أخذت تمسح التراب بأذنيها كل ليلة شوقا إليك. والبدر يتناقص من جراء محبتك حتى أسلم الروح مرة كل شهر نثارا في طريقك، أما البحر فقد سعى مشتاقا إليك، فعاد صادي الشفة بعد أن كان بالماء زاخرا، ووقفت مئات العقبات في طريق الجبل حيث غاصت أقدامه في الوحل حتى الوسط، واضطرمت النار شوقا إليك، وزاد لهيبها وحرقتها وكأنها فرس جامح، وأقبلت الريح فاقدة اتزانها بسببك، كما أقبل التراب معلقا على أكف الرياح. ونضب ماء النهر، بعد أن فاض شوقا إليك. ووقف التراب على باب محلتك وذل الغبار يجلل مفرقه وما أكثر قولي ما دمت لا تخضع لصفة، وماذا أصنع ما دمت لا أستطيع المعرفة؟

إذا كنت أيها القلب طالبا، فكن للطريق سالكا، وتذود بالحذر ولتمعن النظر أمامك وخلفك. وارقب من وصلوا إلى الأعتاب العلية من السالكين فجميعهم سلكوا الطريق متعاقبين. وفي كل ذرة في الطريق عقبة، وخلف كل ذرة طريق جديد إليه فكيف يمكنك معرفة أي طريق

ستسلك؟ وأي طريق إلى تلك الأعتاب يوصلك؟ فقد أصبح خفيا ذلك الزمان الذي تبحث عنه عيانا، كما أصبح عيانا ذاك الزمان الذي تبحث عنه خفيا. هكذا تبحث عن عيان فيتحول إلى خفاء، وتبحث عن خفاء فيتحول إلى عيان، وإن تبحث في كليهما فلن تجد له نظيرا، حيث يكون خارجا عن نطاق هذا وذاك، فلتكف عن البحث فما فقدت شيئا، وكف عن الحديث فكل ما تقوله ليس إلا ثرثرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت