إذا كنت أيها القلب طالبا، فكن للطريق سالكا، وتذود بالحذر ولتمعن النظر أمامك وخلفك. وارقب من وصلوا إلى الأعتاب العلية من السالكين فجميعهم سلكوا الطريق متعاقبين. وفي كل ذرة في الطريق عقبة، وخلف كل ذرة طريق جديد إليه فكيف يمكنك معرفة أي طريق
ستسلك؟ وأي طريق إلى تلك الأعتاب يوصلك؟ فقد أصبح خفيا ذلك الزمان الذي تبحث عنه عيانا، كما أصبح عيانا ذاك الزمان الذي تبحث عنه خفيا. هكذا تبحث عن عيان فيتحول إلى خفاء، وتبحث عن خفاء فيتحول إلى عيان، وإن تبحث في كليهما فلن تجد له نظيرا، حيث يكون خارجا عن نطاق هذا وذاك، فلتكف عن البحث فما فقدت شيئا، وكف عن الحديث فكل ما تقوله ليس إلا ثرثرة.
إن كل ما تقوله وما تعرفه نابع منك، فلتعرف نفسك فقط، لأن هذا الأمر أكبر مائة مرة منك، ولتعرف الله بالله لا بنفسك، فالطريق إليه منه لا بعقلك، كما أن وصفه لا يليق بالوصافين، حيث لا يليق هذا الأمر بالفضلاء ولا بالسفلة، فالعجز هنا مساو للمعرفة، فما أحاط به شرح، كما تنزه عن أي صفة، ولا نصيب للخلق منه أكثر من الخيال، ومعرفة أي خبر عنه ليس أكثر من محال، وما قيل حسنا كان أم سيئا، قد صدر من نبع الخيال دائما، فهو يسمو على العلم ويخرج عن العيان، لأنه في قدسيته بلا علامة مميزة، وما أدرك إنسان أي علامة له، غير أنه بلا نظير، وما أدرك أي شخص حيلة غير نثر الروح، وليس لشخص قط في الصحو أو السكر أن يدرك منه نصيبا (إلا الذي) ، فكل ما في العالم وأنت من بينها، يمكنك إدراكه وفهمه إلا الله وحده، وإذا لم يكن يوجد حيث يوجد الإنسان، فأنّى تستطيع روح آدمية أن تصل إلى إدراكه؟ إنه أسمى منزلة من الروح آلاف المرات، لذا فهو يسمو عن كل ما أنطق به.
سيظل العقل حائرا في محبته، كما تعض الروح الأنامل مما بها من عجز، فما الروح إلا هائمة في إدراكه، كما انفطر القلب فغص بالدماء، فيا من عرفت الحق لا تقم مثل هذا القياس، فلا أمر دون كيفية في القياس، كما أن العقل والروح عجزا أمام جلاله، حيث شل العقل وبهتت الروح، وما أدرك نبي أو رسول أي جزئية من الكل فقد أقبلوا
جميعا عاجزين ساجدين على الثرى، جاءوا قائلين: «ما عرفناك» (1)
فمن أكون أنا حتى أتفاخر بمعرفته؟ فما عرفه إلا من أنعم عليه بالمعرفة