سيظل العقل حائرا في محبته، كما تعض الروح الأنامل مما بها من عجز، فما الروح إلا هائمة في إدراكه، كما انفطر القلب فغص بالدماء، فيا من عرفت الحق لا تقم مثل هذا القياس، فلا أمر دون كيفية في القياس، كما أن العقل والروح عجزا أمام جلاله، حيث شل العقل وبهتت الروح، وما أدرك نبي أو رسول أي جزئية من الكل فقد أقبلوا
جميعا عاجزين ساجدين على الثرى، جاءوا قائلين: «ما عرفناك» [1]
فمن أكون أنا حتى أتفاخر بمعرفته؟ فما عرفه إلا من أنعم عليه بالمعرفة
إذا لم يكن لسواه في كلا العالمين وجود، فبمن غيره يليق حبك وهواك؟ لقد زخر البحر بالجواهر، أما أنت فلن تعرف من هذا شيئا مهما ضربت أخماسا في أسداس، وكل من لم يحظ بجواهر ذلك البحر، صار عدما، وما وجد من العدم إلا العدم فلا تقل ذلك ما لم تأتك إشارة بذلك، ولا تتحدث عن شيء ما لم يأتك به بيان، أما هو فلا تليق به الاشارة ولا البيان، وليس لإنسان قط علم به ولا عرفان، فتخل عن نفسك فهذا أصل الكمال، وكفى، وافن نفسك، فهذا عين الوصال، وكفى، فلتفن نفسك فيه حيث في الفناء الخلود، وكل ما عدا ذلك ضرب من الفضول، ولتمض في طريق الوحدانية متجنبا الثنائية، وليكن لك قلب واحد وقبلة واحدة وطريق واحد
فيا ابن الخليفة [2] ، يا من عدمت المعرفة، عليك بالاتصاف كأبيك بالمعرفة، إن كل ما خلقه الحق من عدم إلى وجود، قد خرت كلها أمامه في سجود، وما أن وصل خلقه إلى آدم في النهاية حتى ارتفعت مئات الحجب إعزازا له، وقال له الحق: لتكن، يا آدم، بحر جود، وسيقبل أمامك هؤلاء جميعا في سجود، أما من أبي السجود فقد مسخ ولعن [3] ، وما أدرك هذا السر، وما أن اسود وجهه، حتى قال، أيها المتعال لا تتركني في ضياعي، ولتصلح من أمري. فأجابه الحق تعالى: أيها
(1) إشارة إلى الحديث: «ما عبدناك حق عبادتك، وما عرفناك حق معرفتك» .
(2) يعني بالخليفة آدم حيث قال تعالى: «وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة» (البقرة آية 30) .
(3) إشارة إلى قوله تعالي: «وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ابليس أبى واستكبر وكان من الكافرين» (البقرة آية 34)