واستمدت الكعبة منه التشريف، فأصبحت بيت الله، وكل من دخلها أصبح آمنا، وتسلم جبريل الخرقة من يده، فبدا مرتديا الرداء والجبة، وعظم شأن الأرض في عهده، حيث حظيت بالمساجد وجعلت كلها طهورا
ومع أنه أدرك أسرار كل شيء، إلا أنه كان أميا حيث لم يقرأ في أي كتاب [1] ، ولما كان كلامه نابعا من أقوال الحق، فإن عهده أصبح أعظم عهد وكفى، ويوم الحشر سيفنى الجميع عداه، وستخرس كل الألسنة إلا لسانه، وكم يتشوق حتى اليوم الآخر حيث يتبدل الحال أن يتلقى من الله أي سؤال، وإذا غاص قلبه في بحر الأسرار، انخرط في الصلاة والأذكار، فكان يقول: أرحنا يا بلال حتى نخرج من ضيق هذا الخيال، وإذا ما سيطر الاضطراب عليه مرة أخرى، كان يقول:
كلميني يا حميرا [2] .
إذا نظر العقل إلى كل ما بدا منه، فلا أعلم أكان يحمل روحا واحدة أو مائة، وليس للعقل طريق في خلوته، كما أن العلم لا يعرف وقت حدوثها، فإذا ما جمعته خلوة أنس بالخليل، فمهما أجهد جبريل نفسه، فلن يسمح له بالمثول، وعندما بدت سيمرغ روحه، أصبح موسى من الدهشة شبيها بالفاختة
حينما تقدم موسى صوب بساط الجناب الأعلى، جاء أمر الحق بأن اخلع نعليك، وما أن اقترب، وأصبح بعيدا عن نعليه، حتى أصبح غارقا في النور بالوادي المقدس [3] أما في المعراج فكان الرسول شمع ذي
(1) إشارة إلى الآية السابق ذكرها من سورة الأعراف بالهامش رقم (1) . بالصفحة السابقة
(2) يقصد بحميرا زوجة الرسول عائشة، رضي الله عنها
(3) إشارة إلى قوله تعالى: «فلما آتاها نودي يا موسى، إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى» طه، آية: 1211.