وقال له آخر: إن جهنم في الطريق مقيمة، وليس رجل جهنم من
يكون على علم وبصيرة.
فقال (الشيخ) : لو قدر وأصبحت جهنم في الطريق رفيقتي، فإن سبعا منها تحترق بزفرتي.
وقال له آخر: أملا في الجنة، عد، وتب عن هذه الفعلة القبيحة، وعد.
فقال (الشيخ) : إن لي حبيبا وجهه كالجنة، فإن كان لا بد لي من جنة، فهذه جنتي.
وقال له آخر: لتخجل من الحق، ولتعظم الله تعالى بصدق.
وقال (الشيخ) : إن كان الله حباني بتلك النار، فلن أستطيع التخلي عنها بمحض إرادتي.
وقال له آخر: لتمض، ولتلزم الصمت، وعد للإيمان ثانية، وبالإيمان تمسك.
فقال (الشيخ) : لا تطلب مني أنا الحائر غير الكفر، ولا تطلب الإيمان ممن أصبح مترديا في الكفر.
عند ما لم يجد القول معه أي نفع، لزم الجميع الصمت، وماجت قلوبهم وهاجت، وغصت بالدماء، حتى طفحت الدماء خارج هذه القلوب، ولما حمل تركي النهار ترسه، وقطع رأس زنجي الليل بسيفه، وأصبحت الدنيا في اليوم التالي زاخرة بالغرور، وشبيهة بالبحر الغريق في النور النابع من عين الشمس، جعل الشيخ محلة الحبيب خلوته، وأصبح شغله الشاغل مع كلاب محلتها، واعتكف على تراب طريقها، حتى أصبح كشعرة تنسدل على بدر وجهها. وظل قرابة شهر صباح مساء في
محلتها، صابرا ليحظى برؤية شمس وجهها، ولكن دهمه المرض في النهاية دون الظفر بالحبيب، فما أطل أحد برأسه من تلك الأعتاب فكان مرقده تراب محلتها، ووسادته عتبة بابها.