فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 454

عند ما لم يجد القول معه أي نفع، لزم الجميع الصمت، وماجت قلوبهم وهاجت، وغصت بالدماء، حتى طفحت الدماء خارج هذه القلوب، ولما حمل تركي النهار ترسه، وقطع رأس زنجي الليل بسيفه، وأصبحت الدنيا في اليوم التالي زاخرة بالغرور، وشبيهة بالبحر الغريق في النور النابع من عين الشمس، جعل الشيخ محلة الحبيب خلوته، وأصبح شغله الشاغل مع كلاب محلتها، واعتكف على تراب طريقها، حتى أصبح كشعرة تنسدل على بدر وجهها. وظل قرابة شهر صباح مساء في

محلتها، صابرا ليحظى برؤية شمس وجهها، ولكن دهمه المرض في النهاية دون الظفر بالحبيب، فما أطل أحد برأسه من تلك الأعتاب فكان مرقده تراب محلتها، ووسادته عتبة بابها.

وعندما لم يتحول (الشيخ) عن محلتها، أدركت الفتاة ما حل بعاشقها، ولكن الفتاة تظاهرت بالعجم، وقالت: أيها الشيخ لم ألم بك الاضطراب؟ ويا أيها الثمل بشراب الكفر، متى كان الزهاد يقيمون بمحلة النصارى؟ إذا كان الشيخ يلزم نفسه بغدائري، فإنها تصيبه بالجنون كل لحظة.

فأجابها الشيخ: إن كنت ترين ضعفي، فذلك لأنك سلبت قلبي، فإما أن تردي على قلبي، وإما أن توافقيني حبي، فحققي بغيتي، وكفي عن التدلل، وتخلى عن التكبر والدلال، فأنا عاشق مسن غريب، فاشمليني بالنظر، ولما كان عشقي بعيدا عن الهزل يا معشوقتي، فإما أن تقطعي رأسي، وإما أن تكوني على وفاق معي، إنني أبذل الروح فداء لك إذا أمرت بذلك، ولكن إذا شئت رددت إلى روحي بكلمة من شفتك، فيا من شفتك وغدائرك هنائي وشقوتي، إن وجهك الجميل قصدي وبغيتي، فلا تضرمي النار في جسدي من وهج غدائرك، ولا تسكريني بالثملة عينيك.

بسببك اضطرم قلبي نارا، واشتعلت عيني حرقة، وبسببك فقدت المعين والصبر والرفعة، وقد بعت الروح والدنيا بدونك، ولكن انظري فقد خطت الكيس بسبب عشقك. إن الدمع ينهمر سيلا من عيني، وهذا ما انتظره من عيني إذا عدمتك، فما أن رأت العين وجهك، حتى ظل القلب في الغم، ثم ضاع مني القلب، وظلت العين في مأتم، وما رأته عيني، لم يره أحد قط، وما قاساه قلبي، من ذا الذي قاساه؟ لقد

فنى القلب وما بقي منه إلا الدم، فإلى متى أظل أطعم دم القلب إذا كان القلب قد فنى؟ فلا تثقلي علي روح هذا المسكين أكثر من هذا، ولا تقضي على آمالي، وتركلينني هكذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت