قال الشيخ: سأفعل كل ما تقولين، وبروحي سأطيع كل ما تأمرين، لقد أصبحت عبدك يا فضية القوام، فألقي بحلقة من غدائرك في حلقومي
فقالت الفتاة: إن كنت رجلا خليقا بالأعمال، فعليك أن تفعل بكل قبول أربعة من الأعمال: اسجد أمام الصنم، وأحرق القرآن، واشرب الخمر، وأغلق عينيك عن الإيمان.
أجاب الشيخ: لقد قبلت الخمر، أما الثلاثة الأخرى فلا حيلة لي بها، إنني أستطيع احتساء الخمر على شرف جمالك، ولكن ليس في مقدوري القيام بالأمور الثلاثة الأخرى.
فقالت الفتاة: انهض، وتقدم، واحتس الخمر، فعندما تشرب الخمر ستتقدم نشوان فرحا
وأخيرا أخذوا الشيخ إلى دير المجوس، فزاد اضطراب المريدين وتملكهم الجنون. أما الشيخ فقد رأى مجلسا غاية في النضارة، ورأى النديم غاية في الحسن، وسلبت نار العشق صفاء عمله، كما سلبت غدائر الفتاة المسيحية عمره، ولم تتبق له أي ذرة من عقله ولبه، ومع ذلك لاذ بصمته. وظل يأخذ الكأس من يده معشوقته ويشرب، حتى قطع قلبه عن كل أمره، وما أن اجتمع الشراب وعشق المحبوبة في بقعة واحدة، حتى تضاعف عشقه لذلك البدر مائة ألف مرة، فما أن رأى الشيخ ذات الثغر المليح، ورأى الياقوت في حقها المتبسم، حتى أضرم العشق النار في روحه، وسالت دموعه كسيل دموي صوب أهدابه، ثم طلب كأسا أخرى وشربها، ووضع في أذنه حلقة من غدائرها
لقد كان الشيخ يحفظ أكثر من مائة مصنف في الدين، كما كان أستاذا في تحفيظ القرآن، ولكن ما أن وصلت الخمر إلى أحشائه، حتى
تخلت عنه دعوته، وغزاه التباهي بالباطل، وكل ما أدركه ضاع من ذاكرته، وما أن أقبلت الخمر حتى ولى كالريح عقله، كما غسلت من لوح ضميره خمر المعاني التي كانت له من قبل، وظل عشق الفتاة مشكلا بالنسبة له، مع أنه تطهر من كل ما عداه، ثمل الشيخ وغلبه عشقه، وأصبح كالبحر وقد غصت بالاضطراب روحه، ثم رأى المعشوقة ثملة تمسك بالكأس في يدها، فأسرع الشيخ صوبها، وقد لعبت الخمر بقلبه وعقله، فطلب من الفتاة أن تقبله