أيتها المعشوقة، ماذا بعد؟ كل ما قلته، فعلته، فماذا بعد؟ لقد شربت الخمر، وعبدت الصنم بفعل عشقك، وما رأى أحد قط ما رأيته بسبب عشقك، من ذا أصبح مفتونا بالعشق مثلي؟ وأي شيخ افتضح أمره مثلي؟ عدت أدراجي خمسين عاما، فكانت أمواج بحر الأسرار نتلاطم في قلبي، ثم قفزت ذرة عشق من كمينها فجأة، فرفعتنا على رأس اللوح الأول، وقد فعل العشق أكثر من هذا وما زال يفعل، وأحال
الخرقة نارا، وما زال يعمل. العقل الحصيف قارىء أبجد العشق، أما العشق فهو مدرك أسرار الغيب، لقد حدث كل ما حدث، فتكلمي ولو قليلا، ومتى تتحدين معي؟ إذا كان بناء عشقي راسخ الأساس، فكل ما فعلته كان أملا في الوصل. والوصل واجب وكذا إدراك الصحبة، فما أكثر ما أحترق عندما أجد نفسي في وحدة!.
قالت الفتاة: أيها الشيخ الأسير، إن صداقي كبير، وأنت جد فقير، يلزمني أيها الجاهل ذهب وفضة، فكيف يستقيم أمرك وأنت عديم الفضة؟ فإن كنت لا تملك ذهبا، فالو رأسك، وامض، وخذ ما تنفقه مني أيها الشيخ، وامض. امض حثيثا كالشمس، وسر وحدك، والتزم الصبر والشجاعة، وكن رجلا
قال الشيخ: يا سروية القد وفضية الصدر، إنك تحملين عهدا أكيدا على رأسك، وليس لي سواك أيتها الجميلة الطلعة، فكفي أخيرا عن الكلام بهذه الكيفية. إنني في كل لحظة أتخلى عن شيء، وألقي رأسي في أي معترك، وتحملت كل شيء من أجلك، وصنعت كل ما دار بفكرك، وفي طريق عشقك كل ما كان اندثر، كما ولى الكفر والإسلام وكذا النفع والضرر، فإلام لا أستريح من الانتظار، وأنت لم يقر لك معي أي قرار؟ لقد تحول عني جميع الأصحاب، وخاصموا روحي المفعمة بالاضطراب؟ هكذا أنت، وهكذا هم، فماذا اصنع؟ لقد فنى القلب، وكذا الروح، فماذا أصنع؟ وإنني أفضل يا مسيحية المذهب، أن أكون معك في النار، على أن أكون بدونك في الجنة.
في النهاية، ما أن أصبح الشيخ رجلها، حتى احترق قلب ذلك البدر تأثرا بالامه، وقالت: إن صداقي أيها الهائم، هو أن ترعى لي الخنازير عاما بالتمام، وما أن ينقضي العام ونحن معا، فإننا نقضي العمر
حلوه ومره معا.