قوله «بأن تكون لازمةٌ له» أي للخبر، احترَزَ به عن القرائن غير اللازمة، وهي المنفصلة كما بيّنها الشارحُ بعد، فاندفع إطلاق ما قيل: «إنّ الخبرَ الذي لم يَحصُل العلمُ منه إلا بانضمام القرائن ليس بِمتواتر» .
الشارح: «وَ» الصحيحُ مِن أقوال «أنّ الإجماعَ على وَفق خبرٍ لا يدُلُّ على صِدقهِ» في نفس الأمْرِ مطلقًا.
«وثالِثُهما: «يَدُلُّ إنْ تَلَقَوْهُ» أي المجموعون «بالقَبولِ» بأنْ صرَّحوا بالإسناد إليه، فإن لم يتَلَقَوهُ بالقبولِ بأنْ لم يتعرَّضوا بالإسنادِ إليه فلا يَدُلُّ لجواز استنادهِم إلى غيرهِ مِمّا استنبَطوهُ من القرآنِ».
وثانيها: «يَدُلُّ مطلقًا لأن الظاهرَ استنادهم إليه حيث لم يُصرِّحوا بذلك لِعَدمِ ظهور مُستنَدٍ غيرهِ، ووجْهُ دلالةِ استنادهم إليه على صدقهِ أنّه لو لم يكنْ حينئذٍ صدقًا بأن كان كذبًا لكان استنادُهم إليه خطًا، وهم معصومون منه» .
قلنا: لا نُسلِم الخطأ حينئذٍ لأنّهم ظنّوا صدقَهُ، وهُم إنَّما أُمِروا بالاستنادِ إلى ما ظَنُّوا صِدقَهُ فاستنادُهم إليه إنما يَدُلُّ على صِدقَهُ، ولا يَلزَمُ من ظَنِّهِم صِدْقُه في نفسِ الأمر.
وقيل: «إنّ ظنَّهم معصوم من الخَطأِ» .
المحشي: قوله «ولا يَلزمُ من ظنّهم صدقهُ صدقه في نفسِ الأمرِ» لا يقال: فالإجماعُ حينئذٍ ظنيٌ، وقد قالوا: «إنه قطعي» ؟ لأنا نقول: لم يَجزموا بأنّه قطعي، بل اختلفوا فيه، وبتقدير «أنه قطعيٌ» ، إنما هو قطعيٌ في الظاهر وإن كان في طريقه ظنيٌ، لأن ظنّ المجمعين معلومٌ لهم قطعًا، وذلك لا ينافي في قطعية الإجماع في الظاهر.
صاحب المتن: وكذلك بقاءُ خبرٍ تَتوفَّرُ الدواعي على إبطالِه خلافًا للزيديةِ، وافتراقُ العلماءِ بين مؤوِّلٍ ومحتجٍّ خلافًا لقومٍ.
الشارح: «وَكذَلكَ بَقاءُ خبرٍ تَتَوفَّرُ الدَّواعِي على إبطالِهِ» بأن لَم يُبطِلْه ذَوُو الدواعي مع سماعِهِم له آحادًا لا يدُلُّ على صدقهِ، «خلافًا للزَّيديَّة» في قولهم يدلُّ عليه، قالوا: «للاتفاقِ على قبُولهِ حينئذٍ» .
قلنا: الاتفاقُ على قبولهِ إنما يدلُّ على ظنِّهِم صِدْقَهُ، ولا يَلزَمُ من ذلك صدقُهُ في نفسِ الأمْر. مثاله قولُه صلى الله عليه وسلم لِعَليّ: «أنتَ مِني بِمَنْزلَةِ هارون مِن موسى، إلاّ أنّه لا نبيَّ بعدي» رواه الشيخان. فإنّ دَواعي بني أُميَّةَ -وقد سَمِعوه- متوفرةٌ على إبطالِهِ لِدلالتِهِ على خِلافَةِ عليٍّ? -كما قيل- كخلافةِ هارون عن موسى بقوله: «اخْلُفني في قَوْمي» ، وإن ماتَ قَبْلَهُ، ولم يُبْطِلوه.
«وافتِراقُ العُلماءِ» في الخبر «بَيْنَ مُؤوِّلٍ» لَهُ «ومُحتَجٍّ» به لا يَدلُّ على صدقِهِ، «خلافًا لقوْمٍ» في قولِهم يَدُلُّ عليه، قالوا: «للاتفاق على قبوله حينئذٍ» .
قلنا: الاتفاقُ على قبوله إنما يدلُّ على ظنِّهم صدْقُهُ، ولا يَلزَمُ من ذلك صدقُه في نفسِ الأمر.
المحشي: قوله «كما قيل» أي قاله الشيعةُ.
قوله «وإن مات قبله» أي مات هارون قبل موسى عليهما الصلاة والسلام.
قوله «ولم يُبطِلوه» أي بنو أُميَّة الخبرَ.
صاحب المتن: وأنّ المُخبِرَ بحضْرَةِ قوْمٍ لم يُكَذِّبُوهُ، ولا حامِلَ على سُكوتِهِم صادقٌ، وكذا المخبرُ بِمسمعٍ من النبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ولا حاملَ على التقريرِ والكذبِ خلافًا للمتأخرين، وقيل: «يدلُّ إنْ كان عن دنيوي» .
الشارح: «وَ» الصحيحُ «أنّ المُخبِرَ بحضْرَةِ قوْمٍ لم يُكَذِّبُوهُ، ولا حامِلَ على سُكوتِهِم» عن تكذيبهِ من خوفٍ، أو طمعٍ في شيءٍ منه «صادِقٌ» فيما أخبرَ بهِ، لأن سكوتَهُم تَصديقٌ لهُ عادةً، فقد اتّفقوا -وهم عددُ التواتر- على خبرٍ عن مًحْسوسٍ، إذْ فَرْضُ المسألةِ كذلك، كما صرَّحَ بهِ الآمدي، فيكون صدقًا قطعًا. وقيل: «لا يَلزمُ من سُكوتهم تصديقُه لجواز أنْ يَسكتُوا عن تكذيبه لا لِشيءٍ» .
«وكَذا المخبرُ بِمَسْمَعٍ من النبي صلى الله عليه وسلم» أي بمكانٍ يَسمَعُه منه النبيِّ صلى الله عليه وسلم «ولا حامِلَ على التقرير» للنبي صلى الله عليه وسلم «وَ» على «الكَذِب» لِلمُخْبِرِ صادقٌ
المحشي: قوله «مِن خوفٍ، أو طمعٍ في شيءٍ منه» أي وأنهم لا يَعلَمونَ الخبرَ لكونهِ غريبًا.