قوله «فيُنبَنى على الأولَيْن» أي مِن الأقوالِ في تلك الأوّل والرابع، أي مِن الأقوالِ في هذه، أي يَنبني الأولُ على الأوّل بمعنى: أنّ مَن اعتَبَر وفاقَ العامِي والنادرِ مِن مُشتَرطي الانقراضِ اشتَرَط انقراضَ جميعِ أهلِ العصر، ويبني الرابعُ على الثاني بمعنى: أنّ مَن لم يعتبِرْ منهم وِفاقَ العامِّي والنادِرِ اشتَرَط انقراض غالِبِ علماء العصر.
وقوله: «وعلى الأخيرَيْن من الثاني والثالثُ» ، أي ومن اعتَبَر منهم وِفاقَ العامِّي دون النادرِ اشتَرَط انقراضَ أهلِ العصرِ. ومَن اعتبر منهم وِفاقَ النادرِ دون العامِّ اشتَرَط انقراضَ علماءِ العَصرِ كُلِّهم.
صاحب المتن: وقيل: «يُشترطُ في السكوتي» ، وقيل: «إنْ كان فيه مهلةٌ» ، وقيل: «إنْ بَقيَ منهم كثير» وأنَّه لا يُشترطُ تَمادي الزمانِ، وشرَطه إمامُ الحرمَين في الظني وأنَّ إجماعَ السابقين غيرُ حجة
الشارح: «وقيل: يُشتَرطُ» الانقراضُ «في» الإجماع «السُكوتِي» لِضَعْفِهِ بخلاف القولي، وسيأتي.
«وقيل» : يُشتَرط الانقراضُ «إنْ كان فيه» أي في المجمَعِ عليه «مُهلَةٌ» بخلاف مالا مهلةَ فيه كقَتلِ النفس، واستباحةِ الفرجِ، إذ لا يَصدُر إلا بعد إمعان النَظرِ.
«وقيل» يُشتَرط الانقراضَ «إن بَقيَ مِنهُم» أي مِن المُجمِعِين «كثيرٌ» كعدَدِ التَواترِ بخلاف القليلِ، إذ لا اعتبارَ بهِ، فالمُشتَرطُ حينئذٍ انقراضُ ما عدا القليل.
المحشي: واعلم أن القائلين باشتراطِ الانقراض وجوازِ الرجوع قائلون بحجيةِ الإجماع قبلَهُ، لكن يقدح عندهم في استمرار حجيته رجوع بعضِ المجمعين.
الشارح: «وَ» عُلِمَ «أنَّهُ لا يُشتَرطُ» في انعقاد الإجماع «تَمادِي الزمنِ» عليه لِصِدقِ تعريفِهِ مع انتفاء التمادِي عليه، كأنْ مات المُجمِعون عَقِبَهُ بخرورِ سقفٍ أو غير ذلك. «وشَرَطَهُ» التمادِي «إمامُ الحرمين في» الإجماعِ «الظنِّي» ليستقرَّ الرأيُ عليه كالقطعي، وسيأتي التمييزُ بينَهُما.
«وَ» عُلِمَ «أنّ إجماعَ» الأُممِ «السابقينَ» على أمَّةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم «غيرُ حُجَّةٍ» في مِلَّتِهِ حيث أُخذَ أمتُه في التعريف، «وهوَ الأَصَحُّ» لاختصاص دليلِ حُجيةِ الإجماع بأمتِهِ كحديث ابن ماجة وغيره: «إن أُمتي لا تجتمعُ على ضلالةٍ» ، وقيل: إنه حجةٌ بناءًا على أن شرعَهُم شرعٌ لنا، وسيأتي الكلامُ فيه.
المحشي: قوله «وشَرَطَهُ أي التمادي إمام الحرمين في الظني» شرط معه في البرهان تَردُّدُ الخوض في الواقعةِ، فَلَوْ أجابوا بُحكمٍ في واقعةٍ ثم تناسَوْها إلى غيرها فلا أثرَ لِتَمادي الزمَنِ عندَه.
قوله «وعُلِمَ أن إجماعَ الأمم ... إلى قوله: غيرُ حجةٍ في ملتِهِ» فيه ما مَرَّ في قوله: «وعُلِمَ أنه لو لم يَكُنْ ... الخ» .
صاحب المتن: وأنه قد يكون عن قياسٍ خلافًا لمانعِ جوازِ ذلك، أو وقوعِه مطلقًا، أو في الخفي وأنَّ اتفاقهم على أحد القولين قبل استقرارِ الخلافِ جائزٌ ولول من الحادثِ بعدهم،
الشارح: «وَ» عُلِمَ «أنَّهُ» أي الإجماعُ «قد يَكونُ عن قياسٍ» لأن الاجتهادَ المأخوذَ في تعريفه لابدّ له مِن مستندٍ كما سيأتي، والقياسُ مِن جملتِهِ «خلافًا لمانِعِ جوازِ ذلك» أي لا إجماعَ عن قياسٍ، «أو» مانِعِ «وُقُوعِهِ مُطلَقًا، أو في» القياسِ «الخفِي» دونَ الجلِّي. وسيأتي التمييزُ بينَهما.
والإطلاقُ والتفصيلُ راجعَانِ إلى كلٍ من الجوازِ والوقوع. ووجهُ المنعِ في الجملة: أنّ القياس لكونِهِ ظنيًا في الأغلبِ يجوزُ مخالفتُه لأرجحَ منهُ فلو جازَ الإجماعُ عنهُ لجازَ مخالفةُ الإجماع.
وأُجيبَ بأنه إنما يجوز مخالفةُ القياسٍ إذا لم يُجمَع على ما ثَبتَ بهِ، وقد أجمعَ على تحريم شحمِ الخنزير قياسًا على لَحْمِهِ، وعلى إراقة نحو الزيتِ إذا وقعت فيه فأرةٌ قياسًا على السَّمْنِ.
المحشي: قوله «ووَجْهُ المنعِ في الجُملةِ» أي مِن غير تفصيلٍ بين الجواز والوقوعِ، والخفي، والجلي، إذ لا يمكن صِدقُه بكلٍ منها.
الشارح: «وَ» عُلِمَ «أنّ اتفاقَهُم» أي المجتهدِين في عصرٍ «على أحدِ القولَيْن» لهم «قبلَ استِقْرَارِ الخلافِ» بينَهُم بأنْ قَصُرَ الزَمانُ بين الاختلاف والاتفاقِ «جائزٌ وَلَو» كان الاتفاقُ «مِن الحادِثِ بعدَهُم» بأنْ ماتُوا ونشَأَ غيرُهم فإنّه يُعلَم