الشارح: «الثاني» من مسالك العلة: «النصُ الصريحُ» بأن لا يَحتمل غير العلية «مثلُ «العلة كذا» ، فلسبب» كذا، «فمن أجل» كذا، «فنحو كي، وإذنْ» نحو قوله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) المائدة: 32، (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) الحشر: 7، (إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) الإسراء: 75.
وفيما عطفه المصنف بالفاء هنا وفيما بعد إشارة إلى أنه دون ما قبله في الرتبة بخلاف ما عطفه بالواو.
المحشي: الثاني من مسالك العلة: النص. قوله «الصريح» قابل به الظاهر، وابن الحاجب أدرج فيه الظاهر، وقابلَ بالصريح التنبيه والإيماء، وأدرج الثلاثة في النص، وكل صحيح لكن ما صنعه المصنف أقعد.
قوله «فنحو كي» لا ينافي صراحتها في التعليل مجيئها بمعنى «أنْ» المصدرية لأن محل كونها للتعليل الذي هي صريحة فيه إذا لم تكن مصدرية.
صاحب المتن: والظاهرُ كاللامِ ظاهرةً فمقدرةً نحو «أنْ كان كذا» ، فالباءِ، فالفاءِ في كلامِ الشارعِ، فالراوي
الشارح: «والظاهر» بأن يحتمل غير العلية احتمالًا مرجوحًا «كاللام ظاهرة» نحو: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) إبراهيم: 1، «فمقدّرة نحو أن كان كذا» كقوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ) القلم: 10 - إلى قوله - (أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ) القلم: 14 أي لأن، «فالباء» نحو (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) النساء: 160 أي منعناهم منها لظلمهم «فالفاء في كلام الشارع» وتكون فيه في الحكم نحو قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) المائدة: 38، وفي الوصف نحو حديث الصحيحين في المحرِم الّذي وقصته ناقته: «لا تمسّوه طيبًا ولا تخمّروا رأسه فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًّا» ،
صاحب المتن: الفقيهِ فغيرِه،
الشارح: «فالراوي الفقيه، فغيره» وتكونُ في ذلك في الحكم فقط كقول عِمْران بن حُصيْن: «سَهَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فسَجَدَ» ، رواه أبو داود وغيرُه.
ومَن قال مِن المتأخرين: إنها في ذلك في الوَصْفِ فَقَط، لأنّ الراويَ يَحْكي ما كانَ في الوجود، لم يُرِدْ بالوَصْفِ فيه الوَصْفَ الذي يَتَرَتَبُ عليه الحُكمُ كما في الأوّلِ.
المحشي: قوله «فغيره» أي فالراوي غير الفقيه.
قوله «وَمَن قال مِن المتأخرين» يَعني: السعد التفتازاني.
قوله «لم يُرِدْ بالوَصْفِ فيهِ ... الخ» لَمْ يُبَيِّن الشارحُ مُرادَهُ، وقد بيَّنَهُ شيخُنا شيخُ الإسلام القاياتِي أخذًا مِن كلام العَضُد في دخولِ الفاءِ في كلام الشارعِ بما حاصلُهُ: أنّ الكائنَ في الوُجودِ تَرَتُبُ الباعثِ المشتمل عليه الوصفُ على الحُكمِ.
الشارح: وهو المسَوِغُ لِدُخولِ الفاء على الوَصْفِ، والمُسَوِغُ لِدُخولِها على الحُكمِ تَرَتُبُهُ في العَقْلِ على الباعِثِ. فالوصفُ في المثال هو السجودُ، وقد اشتمَلَ على حِكمةٍ مَقْصُودَةٍ للشارِع باعثةٍ على الحُكمِ، وهي جَبْرُ خَلَلِ الصلاة، والحُكمُ نَدْبُ السُجودِ. ثم قال: «هكذا يَنبَغي أن يُفهَمَ هذا المقامُ» ، وهو-كما ترى- دقيقٌ.
فالفاءُ فيما ذَكَرَ لِسَببيَّةِ التي هي بمعنى العليَّةِ.
وإنما لم تَكُنْ المذكوراتُ مِن الصريحِ لمجيئها لغير التعليلِ كالعاقبة في «الّلامِ» ، والتعديةِ في «الباءِ» ، ومجرَّدِ الَعطفِ في «الفاءِ» ، كما تقدَّمَ في مَبْحَثِ الحُرُوفِ.
المحشي: وَقَولُه «باعثةٍ على الحُكمِ» أي على امتثالِ الأمر بهِ. فإن قُلتَ: كيف عَمِلَ بقَوْلِ الراوي: «سَهَا فَسَجَدَ» : ونحوه مع أنّه إذا قال: «هذا منسوخٌ» لا يُعمَلُ بهِ لِجوازِ كَوْنِهِ عن اجتهادٍ؟ قلنا: هذا مِن قَبيلِ فَهمِ الألفاظِ لُغةً. لا يَرجعُ فيه للاجتهاد، بخلافِ نحو هذا منسوخٌ، ولهذا إذا قال: أمرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، بكذا، أو نَهَى عن كذا يُعمَل به حَمْلًا على الرفع، لا عَلَى الاجتهادِ. ومَن مَنعَ في هذا إنما قال: يَحتملُ الخصوصيَّةَ.
قوله «فالفاءُ فيما ذَكَر» أي في الأمثلةِ المذكورةِ للسببيَّةِ التي هي بمعنى العليَّةِ، ففي الأخير -مَثلًا- المَعنى: فبسبَبَبِ سَهْوِهِ سَجَد. وفي ذلك تنبيهٌ على رَدِّ اعتراض العراقي على المصنِف بأنّ البيضاويَّ جَعلَ الفاءَ مُطلقًا مِن قبيل الإيماء،