وظاهرٌ أنّ كلًا منهما صحيحٌ، ولا مشاحاةَ في الاصطلاح مع أنّ ما قاله المصنفُ التابعُ لابن الحاجب أقعدُ مِن قولِ البيضاوي التابعِ لِلمَحصُولِ.
صاحب المتن: ومنه: إنّ، وإذْ، وما مضى في الحروفِ.
الثالث: الإيماءُ: وهو اقترانُ الوصفِ الملفوظَ-قيل: «أو المستنبط» -بحكمٍ ولو مستنبطًا، لو لم يكن للتعليلِ هو أو نظيرُه كان بعيدًا كحكمه بعد
الشارح: «وَمِنهُ» أي مِن الظاهِرِ «إنّ» المكسورةُ المشدَّدّةُ نحو: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا «26» إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ) نوح: 26 - 27 الآية، «وَ «إذْ» » نحو: «ضرَبْتُ العَبْدَ إذْ أَساءَ» أي لإسائتِهِ «وَمَا مَضَى في الحروفِ» أي في مَبحثهمَا مَمّا يَرِدُ لِلتَعْليلِ غير المذكور هنا وهو: «بَيْدَ» ، و «حتّى» ، و «عَلَى» ، و «في» ، و «مِن» فتُراجَع.
وإنما فصَّلَ هذا عمّا قبلَهُ بقولِهِ: «ومنهُ» لأنّهُ لم يَذكُرْه الأصوليُّونَ، واحتمال «إنّ» لِغَيرِ التعليلِ كأن تكونَ لَمُجرَّدِ التأكيدِ كما تكونُ «إذ» ، وما مضَى لغير التعليلِ كما تقدم في مبحثِ الحروف.
«الثالِثُ» مِن مسالكِ العِلَّةِ: «الإماءُ: وهو اقتِرانُ الوَصْفِ المَلفُوظِ- قيل: «أو المُستَنبَطِ» - بحكمٍ وَلَو» كانَ الحكمُ «مُستَنْبَطًا» كما يكونُ مَلْفُوظًا «لَوْ لَم يَكُنْ للتَعْليلِ هُوَ» أي الوصفُ «أو نَظيرُهُ» لِنَظيرِ الحُكمِ حيثُ يُشارُ بالوَصْفِ والحُكم إلى نظيرهما أي لَوْ لَمْ يَكُن ذلك مِن حيثُ اقترانُهُ بالحكمِ لِتَعليلِ الحُكمِ بهِ «كانَ» ذلك الاقترانُ «بَعيدًا» مِن الشارعِ لا يَليقُ بفصاحَتِهِ وإتيانِهِ بالألفَاظِ في مَوَاضِعِها:
المحشي: الثالثُ مِن مسَالك العلة: الإيماءُ.
صاحب المتن: سماعِ وصفٍ، وكذكرِه في الحكم وصفًا لو لم يكُن علةً لم يُفِدوكتفريقِه بين حكمَين بصفةِ مع ذكرِهما أو ذكرِ أحدِهما، أو بشرطٍ، أو غايةٍ، أو استثناءٍ، أو استدراكٍ
الشارح: «كحُكمِهِ» أي الشارعِ «بعدَ سَماعِ وَصْفٍ» كما في حديثِ الأعرابي: واقعتُ أهلِي في نهارِ رَمَضانِ، فقال: «أعْتِقْ رَقَبةً ... الخ» رواه ابنُ ماجه، وأصلُه في الصحيحَين. فأمرُهُ بالإعتاق عند ذِكْرِ الوقاع يَدْلّ على أنّهُ عَلةٌ لَهُ، وإلاّ لَخَلَا السُؤالُ عن الجوابِ وذلك بعيدٌ فيُقدَّرُ السؤالُ في الجواب فكأنَّهُ قال: «واقَعْتَ فأَعتِقْ» .
«وَكَذِكْرِهِ في الحُكْمِ وَصْفًا لَوْ لَمْ يَكُنْ علّةً» لَهُ «لَمْ يُفِدْ» ذِكْرُهُ كقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَحْكُمُ أَحَدٌ بَيْنَ اثنَيْنِ وهو غَضْبَان» رواه الشيخَانِ.
المحشي: قوله «كَحُكمِهِ» الإيماء، الكافُ فيه مع الكافاتِ المعطوفات عليها، للاستقصاء بالنظر إلى الإيماء المتفقِ عليها، والتمثيل بالنظر إلى مُطلَق الإيماءِ، وعلى الأولِ يُحمَل حَصْرُ الإيماءَ في مَدخُولاتِها.
قولُه «رواه ابنُ ماجَه» هو باللفظ المذكور روايةٌ بالمعنى، وإلا فلَفْظُهُ في الصيام: «وقعْتُ على امْرَأَتِي في رَمَضَان» .
الشارح: فتقييدُهُ المنعَ مِن الحُكم بحالةِ الَغَضَبِ المُشوِّسِ للفِكر يَدُلُّ على أنَّهُ علَّةٌ لَهُ، وإلاّ لَخَلا ذِكرُهُ عن الفائدةِ وذلكَ بعيدٌ.
«وكتَفْريقِهِ بَيْنَ حُكْمَين بِصِفةٍ مع ذِكرِهِمَا، أو ذِكرِ أَحَدِهمَا» فقط.
مثالُ الأوّلِ: حديثُ الصحيحَيْن: «أنّهُ صلى الله عليه وسلم جَعَل لِلفَرَسِ سَهْمَيْنِ، ولِلرَجُلِ - أي صاحبِهِ- سَهْمًا» فتفريقُه بين هذَينِ الحُكمَيْنِ بهَاتَيْنِ الصفتَيْن لو لَمْ يَكُنْ لِعليَّةِ كُلٍّ منهما لَكانَ بَعيدًا.
ومثالُ الثاني: حديثُ الترمذي: «القاتلُ لا يَرِثُ» أي بخلافِ غيرِهِ المعلوم إرْثُهُ، فالتفريقُ بينَ عدمِ الإرثِ المذكور وبينَ الإرثِ المعلومِ بصفةِ القتلِ المذكورِ مع عَدمِ الإرثِ لَوْ لَمْ يكُنْ لعليَّتِهِ لَهُ لَكانَ بعيدًا.
«أَو» تَفريقِهِ بَيْنَ حُكمَيْن «بشَرْطٍ، أو غايةٍ، أو استِثنَاءٍ، أو استِدرِاكٍ» .